الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
233
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
محالة . فتبيّن بهذا أنّ قوله : إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ روعي فيه النهي عن المجموع لكراهية بعض ذلك المجموع . والمقصود من هذا استئناسهم للإعراض عن نحو هذه المسائل ، وإلّا فإنّ النهي غير مقيّد بحال ما يسوءهم جوابه ، بدليل قوله بعده عَفَا اللَّهُ عَنْها . لأنّ العفو لا يكون إلّا عن ذنب وبذلك تعلم أنّه لا مفهوم للصفة هنا لتعذّر تمييز ما يسوء عمّا لا يسوء . وجملة وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عطف على جملة لا تَسْئَلُوا ، وهي تفيد إباحة السؤال عنها على الجملة لقوله : وَإِنْ تَسْئَلُوا فجعلهم مخيّرين في السؤال عن أمثالها ، وأنّ ترك السؤال هو الأولى لهم ، فالانتقال إلى الإذن رخصة وتوسعة ، وجاء ب إِنْ للدلالة على أنّ الأولى ترك السؤال عنها لأنّ الأصل في ( إن ) أن تدلّ على أنّ الشرط نادر الوقوع أو مرغوب عن وقوعه . وقوله : حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ ظرف يجوز تعلّقه بفعل الشرط وهو تَسْئَلُوا ، ويجوز تعلّقه بفعل الجواب وهو تُبْدَ لَكُمْ ، وهو أظهر إذ الظاهر أنّ حين نزول القرآن لم يجعل وقتا لإلقاء الأسئلة بل جعل وقتا للجواب عن الأسئلة . وتقديمه على عامله للاهتمام ، والمعنى أنّهم لا ينتظرون الجواب عمّا يسألون عنه إلّا بعد نزول القرآن ، لقوله تعالى : قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ - إلى قوله - إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ [ الأنعام : 50 ] فنبّههم اللّه بهذا على أنّ النبي يتلقّى الوحي من علّام الغيوب . فمن سأل عن شيء فلينتظر الجواب بعد نزول القرآن ، ومن سأل عند نزول القرآن حصل جوابه عقب سؤاله . ووقت نزول القرآن يعرفه من يحضر منهم مجلس النبي - صلى اللّه عليه وسلّم - فإنّ له حالة خاصّة تعتري الرسول - صلى اللّه عليه وسلّم - يعرفها الناس ، كما ورد يعلى بن أمية في حكم العمرة . ومما يدلّ لهذا ما وقع في حديث أنس من رواية ابن شهاب في « صحيح مسلم » أنّ رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلّم - صلّى لهم صلاة الظهر فلما سلّم قام على المنبر فذكر الساعة وذكر أنّ قبلها أمورا عظاما ثم قال : من أحبّ أن يسألني عن شيء فليسألني عنه فو اللّه لا تسألونني عن شيء إلّا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا . ثم قال : « لقد عرضت عليّ الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط فلم أر كاليوم في الخير والشر » الحديث ، فدلّ ذلك على أنّ رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلّم - كان ذلك الحين في حال نزول وحي عليه . وقد جاء في رواية موسى بن أنس عن أبيه أنس أنّه أنزل عليه حينئذ قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ الآية . فتلك لا محالة ساعة نزول القرآن واتّصال الرسول - عليه الصلاة والسلام - بعالم