الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
229
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
لكنّ قومي وإن كانوا ذوي عدد * ليسوا من الشرّ في شيء وإن هانا قال السديّ : كثرة الخبيث هم المشركون ، والطيّب هم المؤمنون . وهذا المعنى يناسب لو يكون نزول هذه الآية قبل حجّة الوداع حين كان المشركون أكثر عددا من المسلمين ؛ لكن هذه السورة كلّها نزلت في عام حجّة الوداع فيمكن أن تكون إشارة إلى كثرة نصارى العرب في الشام والعراق ومشارف الشام لأنّ المسلمين قد تطلّعوا يومئذ إلى تلك الأصقاع ، وقيل : أريد منها الحرام والحلال من المال ، ونقل عن الحسن . ومعنى لا يَسْتَوِي نفي المساواة ، وهي المماثلة والمقاربة والمشابهة . والمقصود منه إثبات المفاضلة بينهما بطريق الكناية ، والمقام هو الذي يعيّن الفاضل من المفضول ، فإنّ جعل أحدهما خبيثا والآخر طيّبا يعيّن أنّ المراد تفضيل الطيّب . وتقدّم عند قوله تعالى : لَيْسُوا سَواءً في سورة آل عمران [ 113 ] . ولمّا كان من المعلوم أنّ الخبيث لا يساوي الطيّب وأنّ البون بينهما بعيد ، علم السامع من هذا أنّ المقصود استنزال فهمه إلى تمييز الخبيث من الطيّب في كلّ ما يلتبس فيه أحدهما بالآخر ، وهذا فتح لبصائر الغافلين كيلا يقعوا في مهواة الالتباس ليعلموا أنّ ثمّة خبيثا قد التفّ في لباس الحسن فتموّه على الناظرين ، ولذلك قال وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ . فكان الخبيث المقصود في الآية شيئا تلبّس بالكثرة فراق في أعين الناظرين لكثرته ، ففتح أعينهم للتأمّل فيه ليعلموا خبثه ولا تعجبهم كثرته . فقوله : وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ من جملة المقول المأمور به النبي - صلى اللّه عليه وسلّم - أي قل لهم هذا كلّه ، فالكاف في قوله : أَعْجَبَكَ للخطاب ، والمخاطب بها غير معيّن بل كلّ من يصلح للخطاب ، مثل وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ [ الأنعام : 27 ] ، أي ولو أعجب معجبا كثرة الخبيث . وقد علمت وجه الإعجاب بالكثرة في أول هذه الآية . وليس قوله : وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ بمقتض أنّ كلّ خبيث يكون كثيرا ولا أن يكون أكثر من الطيّب من جنسه ، فإنّ طيّب التمر والبرّ والثمار أكثر من خبيثها ، وإنّما المراد أن لا تعجبكم من الخبيث كثرته إذا كان كثيرا فتصرفكم عن التأمّل من خبثه وتحدوكم إلى متابعته لكثرته ، أي ولكن انظروا إلى الأشياء بصفاتها ومعانيها لا بأشكالها ومبانيها ، أو كثرة الخبيث في ذلك الوقت بوفرة أهل الملل الضالّة . والإعجاب يأتي الكلام عليه عند قوله تعالى : فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ في سورة براءة [ 55 ] . وفي « تفسير ابن عرفة » قال : « وكنت بحثت مع ابن عبد السلام وقلت له : هذه تدلّ