الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

219

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً [ الجن : 13 ] فقد أغنت الفاء عن إظهار المبتدأ فحصل التقوّي مع إيجاز . هذا قول المحقّقين مع توجيهه ، ومن النحاة من قال : إنّ دخول الفاء وعدمه في مثل هذا سواء ، وإنّه جاء على خلاف الغالب . وقوله : وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ تذييل . والعزيز الذي لا يحتاج إلى ناصر ، ولذلك وصف بأنّه ذو انتقام ، أي لأنّ من صفاته الحكمة ، وهي تقتضي الانتقام من المفسد لتكون نتائج الأعمال على وفقها . [ 96 ] [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 96 ] أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 96 ) استئناف بياني نشأ عن قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [ المائدة : 95 ] فإنّه اقتضى تحريم قتل الصيد على المحرم وجعل جزاء فعله هدي مثل ما قتل من النعم ، فكان السامع بحيث يسأل عن صيد البحر لأنّ أخذه لا يسمّى في العرف قتلا ، وليس لما يصاد منه مثل من النعم ولكنّه قد يشكّ لعلّ اللّه أراد القتل بمعنى التسبّب في الموت ، وأراد بالمثل من النعم المقارب في الحجم والمقدار ، فبيّن اللّه للناس حكم صيد البحر وأبقاه على الإباحة ، لأنّ صيد البحر ليس من حيوان الحرم ، إذ ليس في شيء من أرض الحرم بحر . وقد بيّنا عند قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [ المائدة : 95 ] أنّ أصل الحكمة في حرمة الصيد على المحرم هي حفظ حرمة الكعبة وحرمها . ومعنى أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ إبقاء حلّيّته لأنّه حلال من قبل الإحرام . والخطاب في لَكُمْ للذين آمنوا . والصيد هنا بمعنى المصيد ليجري اللفظ على سنن واحد في مواقعه في هذه الآيات ، أي أحلّ لكم قتله ، أي إمساكه من البحر . والبحر يشمل الأنهار والأودية لأنّ جميعها يسمّى بحرا في لسان العرب . وقد قال اللّه تعالى : وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ الآية . وليس العذب إلّا الأنهار كدجلة والفرات . وصيد البحر : كلّ دوابّ الماء التي تصاد فيه ، فيكون إخراجها منه سبب موتها قريبا أو بعيدا . فأمّا ما يعيش في البرّ وفي الماء فليس من صيد البحر كالضفدع والسلحفاة ، ولا خلاف في هذا . أمّا الخلاف فيما يؤكل من صيد البحر وما لا يؤكل منه ، عند من يرى أنّ منه ما لا يؤكل ، فليس هذا موضع ذكره ، لأنّ الآية ليست بمثبتة لتحليل