الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

208

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

تذكرة لهم في عام حجّة الوداع ليحذروا مثل ما حلّ بهم يوم الحديبية . وكانوا في حجّة الوداع أحوج إلى التحذير والبيان ، لكثرة عدد المسلمين عام حجّة الوداع وكثرة من فيهم من الأعراب ، فذلك يبيّن معنى قوله تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لإشعار قوله تَنالُهُ بأنّ ذلك في مكنتهم وبسهولة الأخذ . والخطاب للمؤمنين ، وهو مجمل بيّنه قوله عقبه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [ المائدة : 95 ] . قال أبو بكر بن العربي : اختلف العلماء في المخاطب بهذه الآية على قولين : أحدهما : أنّهم المحلّون ، قاله مالك ، الثاني : أنّهم المحرمون ، قاله ابن عباس وغيره اه . وقال في « القبس » : توهّم بعض الناس أنّ المراد بالآية تحريم الصيد في حال الإحرام ، وهذه عضلة ، إنّما المراد به الابتلاء في حالتي الحلّ والحرمة اه . ومرجع هذا الاختلاف النظر في شمول الآية لحكم ما يصطاده الحلال من صيد الحرم وعدم شمولها بحيث لا يحتاج في إثبات حكمه إلى دليل آخر أو يحتاج . قال ابن العربي في « الأحكام » : « إنّ قوله لَيَبْلُوَنَّكُمُ الذي يقتضي أنّ التكليف يتحقّق في المحلّ بما شرط له من أمور الصيد وما شرط له من كيفية الاصطياد . والتكليف كلّه ابتلاء وإن تفاضل في القلّة والكثرة وتباين في الضعف والشدّة » . يريد أنّ قوله : لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ لا يراد به الإصابة ببلوى ، أي مصيبة قتل الصيد المحرّم بل يراد ليكلفنّكم اللّه ببعض أحوال الصيد . وهذا ينظر إلى أنّ قوله تعالى : وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [ المائدة : 95 ] شامل لحالة الإحرام والحلول في الحرم . وقوله : لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ هو ابتلاء تكليف ونهي ، كما دلّ عليه تعلّقه بأمر ممّا يفعل ، فهو ليس كالابتلاء في قوله : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ [ البقرة : 155 ] وإنّما أخبرهم بهذا على وجه التحذير . فالخبر مستعمل في معناه ولازم معناه ، وهو التحذير . ويتعيّن أن يكون هذا الخطاب وجّه إليهم في حين تردّدهم بين إمساك الصيد وأكله ، وبين مراعاة حرمة الإحرام ، إذ كانوا محرمين بعمرة في الحديبية وقد تردّدوا فيما يفعلون ، أي أنّ ما كان عليه الناس من حرمة إصابة الصيد للمحرم معتدّ به في الإسلام أو غير معتدّ به . فالابتلاء مستقبل لأنّه لا يتحقّق معنى الابتلاء إلّا من بعد النهي والتحذير . ووجود نون التوكيد يعيّن المضارع للاستقبال ، فالمستقبل هو الابتلاء . وأمّا الصيد ونوال الأيدي والرماح فهو حاضر . والصيد : المصيد ، لأنّ قوله من الصيد وقع بيانا لقوله بِشَيْءٍ . ويغني عن الكلام