الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
201
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
عنهم أخبار من الاستمرار على شرب الخمر ، لا يدرى مبلغها من الصحّة . ومحملها ، إنّ صحّت ، على أنّهم كانوا يتأوّلون قوله تعالى فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ على أنّه نهي غير جازم . ولم يطل ذلك بينهم . قيل : إنّ قدامة بن مظعون ، ممّن شهد بدرا ، ولّاه عمر عنى البحرين ، فشهد عليه أبو هريرة والجارود بأنّه شرب الخمر ، وأنكر الجارود ، وتمّت الشهادة عليه برجل وامرأة . فلمّا أراد عمر إقامة الحدّ عليه قال قدامة : لو شربتها كما يقولون ما كان لك أن تجلدني . قال عمر : لم ، قال : لأنّ اللّه يقول : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [ المائدة : 93 ] ، - فقال عمر - : أخطأت التأويل إنّك إذا اتّقيت اللّه اجتنبت ما حرّم عليك » . ويروى أنّ وحشيا كان يشرب الخمر بعد إسلامه ، وأنّ جماعة من المسلمين من أهل الشام شربوا الخمر في زمن عمر ، وتأوّلوا التحريم فتلوا قوله تعالى : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا [ المائدة : 93 ] ، وأنّ عمر استشار عليّا في شأنهم ، فاتّفقا على أن يستتابوا وإلّا قتلوا . وفي صحة هذا نظر أيضا . وفي كتب الأخبار أنّ عيينة بن حصن نزل على عمرو بن معد يكرب في محلّة بني زبيد بالكوفة فقدّم له عمرو خمرا ، فقال عيينة : أوليس قد حرّمها اللّه . قال عمرو : أنت أكبر سنّا أم أنا ، قال عيينة : أنت . قال : أنت أقدم إسلاما أم أنا ، قال : أنت . قال : فإنّي قد قرأت ما بين الدفتين ، فو اللّه ما وجدت لها تحريما إلّا أنّ اللّه قال : فهل أنتم منتهون ، فقلنا : لا » . فبات عنده وشربا وتنادما ، فلمّا أراد عيينة الانصراف قال عيينة بن حصن : جزيت أبا ثور جزاء كرامة * فنعم الفتى المزدار والمتضيّف قريت فأكرمت القرى وأفدتنا * تحيّة علم « 1 » لم تكن قبل تعرف وقلت : حلال أن ندير مدامة * كلون انعقاق البرق والليل مسدف وقدّمت فيها حجّة عربيّة * تردّ إلى الإنصاف من ليس ينصف وأنت لنا واللّه ذي العرش قدوة * إذا صدّنا عن شربها المتكلّف نقول : أبو ثور أحلّ شرابها * وقول أبي ثور أسدّ وأعرف وحذف متعلّق مُنْتَهُونَ لظهوره ، إذ التقدير : فهل أنتم منتهون عنهما ، أي عن
--> ( 1 ) كلمة ( تحية ) ثبتت في طبعة بولاق من « الأغاني » وفي نسخة مخطوطة منه ولعلها تحريف .