الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
195
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 90 إلى 91 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 90 ) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ( 91 ) استئناف خطاب للمؤمنين تقفية على الخطاب الذي قبله لينظم مضمونه في السلك الذي انتظم فيه مضمون الخطاب السابق ، وهو قوله : وَلا تَعْتَدُوا [ المائدة : 87 ] المشير إلى أنّ اللّه ، كما نهى عن تحريم المباح ، نهى عن استحلال الحرام وأنّ اللّه لمّا أحلّ الطيّبات حرّم الخبائث المفضية إلى مفاسد ، فإنّ الخمر كان طيّبا عند الناس ، وقد قال اللّه تعالى : وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً [ النحل : 67 ] . والميسر كان وسيلة لإطعام اللحم من لا يقدرون عليه . فكانت هذه الآية كالاحتراس عمّا قد يساء تأويله من قوله لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ [ الأنعام : 87 ] . وقد تقدّم في سورة البقرة أنّ المعوّل عليه من أقوال علمائنا أنّ النهي عن الخمر وقع مدرّجا ثلاث مرات : الأولى حين نزلت آية يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما [ البقرة : 219 ] ، وذلك يتضمّن نهيا غير جازم ، فترك شرب الخمر ناس كانوا أشدّ تقوى . فقال عمر : اللّهمّ بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا . ثم نزلت آية سورة النساء [ 43 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ، فتجنّب المسلمون شربها في الأوقات التي يظنّ بقاء السكر منها إلى وقت الصلاة ؛ فقال عمر : اللّهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا . ثم نزلت الآية هذه . فقال عمر : انتهينا . والمشهور أنّ الخمر حرمت سنة ثلاث من الهجرة بعد وقعة أحد ، فتكون هذه الآية نزلت قبل سورة العقود ووضعت بعد ذلك في موضعها هنا . وروي أنّ هذه الآية نزلت بسبب ملاحاة جرت بين سعد بن أبي وقاص ورجل من الأنصار . روى مسلم عن سعد بن أبي وقّاص قال : أتيت على نفر من الأنصار ، فقالوا : تعال نطعمك ونسقك خمرا - وذلك قبل أن تحرّم الخمر - فأتيتهم في حشّ ، وإذا رأس جزور مشوي وزقّ من خمر ، فأكلت وشربت معهم ، فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم ، فقلت : المهاجرون خير من الأنصار ، فأخذ رجل من الأنصار لحي جمل فضربني به فجرح بأنفي فأتيت رسول اللّه فأخبرته ، فأنزل اللّه تعالى فيّ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ . وروى أبو داود عن ابن عبّاس قال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى [ النساء : 43 ] و يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ