الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
190
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الأنصارية التي قيل : إنّها زوجة زيد بن ثابت ، وتوفّي عثمان بن مظعون سنة اثنتين من الهجرة . وفي رواية : أنّ ناسا قالوا إنّ النصارى قد حرّموا على أنفسهم فنحن نحرّم على أنفسنا بعض الطيّبات فحرّم بعضهم على نفسه أكل اللحم ، وبعضهم النوم ، وبعضهم النساء ؛ وأنّهم ألزموا أنفسهم بذلك بأيمان حلفوها على ترك ما التزموا تركه . فنزلت هذه الآية . وهذه الأخبار متظافرة على وقوع انصراف بعض أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم إلى المبالغة في الزهد وإرادة في الصحيح ، مثل حديث عبد اللّه بن عمرو بن العاصي . قال : قال لي رسول اللّه : « ألم أخبر أنّك تقوم الليل وتصوم النهار ، قلت : إنّي أفعل ذلك . قال : فإنّك إذا فعلت هجمت عينك ونفهت نفسك . وإنّ لنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقّا ، فصم وأفطر وقم ونم » . و حديث سلمان مع أبي الدرداء أنّ سلمان زار أبا الدرداء فصنع أبو الدرداء طعاما فقال لسلمان : كل فإنّي صائم ، فلمّا كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم ، فقال : نم ، فنام ، ثم ذهب يقوم فقال : نم ، فنام . فلمّا كان آخر اللّيل قال سلمان : قم الآن ، وقال سلمان : إنّ لربّك عليك حقّا ولنفسك عليك حقّا ولأهلك عليك حقّا فأعط كلّ ذي حقّ حقّه . فأتى النبي صلى اللّه عليه وسلّم فذكر ذلك له . فقال النبي عليه الصلاة والسلام : « صدق سلمان » . و في الحديث الصحيح أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، قال : « أمّا أنا فأقوم وأرقد وأصوم وأفطر وأتزوّج النساء فمن رغب عن سنّتي فليس منّي » . والنهي إنّما هو عن تحريم ذلك على النفس . أمّا ترك تناول بعض ذلك في بعض الأوقات من غير التزام ولقصد التربية للنفس على التصبّر على الحرمان عند عدم الوجدان ، فلا بأس به بمقدار الحاجة إليه في رياضة النفس . وكذلك الإعراض عن كثير من الطّيبات للتطلّع على ما هو أعلى من عبادة أو شغل بعمل نافع وهو أعلى الزهد ، وقد كان ذلك سنّة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم وخاصّة من أصحابه ، وهي حالة تناسب مرتبته ولا تتناسب مع بعض مراتب الناس ، فالتطلّع إليها تعسير ، وهو مع ذلك كان يتناول الطيّبات دون تشوّف ولا تطلّع . وفي تناولها شكر للّه تعالى ، كما ورد في قصّة أبي الدحداح حين حلّ رسول اللّه وأبو بكر وعمر في حائطه وأطعمهم وسقاهم . وعن الحسن البصري : أنّه دعي إلى طعام ومعه فرقد السبخي « 1 » وأصحابه فجلسوا على مائدة فيها ألوان من الطعام دجاج مسمّن
--> ( 1 ) فرقد بن يعقوب الأرميني من أصحاب الحسن توفي سنة 131 نزيل السبخة ، موضع بالبصرة .