الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

185

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

عرب الشام الذين بلغتهم دعوة النصرانية على طريق الروم ، فقد عرفهم العرب بالزهد ومسالمة الناس وكثر ذلك في كلام شعرائهم . قال النابغة : لو أنّها برزت لأشمط راهب * عبد الإله صرورة متعبّد لرنا لطلعتها وحسن حديثها * ولخاله رشدا وإن لم يرشد فوجود هؤلاء فيهم وكونهم رؤساء دينهم ممّا يكون سببا في صلاح أخلاق أهل ملّتهم . والاستكبار : السين والتاء فيه للمبالغة . وهو يطلق على التكبّر والتعاظم ، ويطلق على المكابرة وكراهية الحقّ ، وهما متلازمان . فالمراد من قوله : لا يَسْتَكْبِرُونَ أنّهم متواضعون منصفون . وضمير وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ يجوز أن يعود إلى ما عاد إليه ضمير بِأَنَّ مِنْهُمْ ، أي وأنّ الذين قالوا إنّا نصارى لا يستكبرون ، فيكون قد أثبت التواضع لجميع أهل ملّة النصرانية في ذلك العصر . وقد كان نصارى العرب متحلّين بمكارم من الأخلاق . قال النابغة يمدح آل النعمان الغساني وكانوا متنصّرين : مجلّتهم ذات الإله ودينهم * قويم فما يرجون غير العواقب ولا يحسبون الخير لا شرّ بعده * ولا يحسبون الشرّ ضربة لازب وظاهر قوله الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أنّ هذا الخلق وصف للنصارى كلّهم من حيث إنّهم نصارى فيتعيّن أن يحمل الموصول على العموم العرفي ، وهم نصارى العرب ، فإنّ اتّباعهم النصرانية على ضعفهم فيها ضمّ إلى مكارم أخلاقهم العربية مكارم أخلاق دينية ، كما كان عليه زهير ولبيد وورقة بن نوفل وأضرابهم . وضمير وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ عائد إلى قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً لأنّه أقرب في الذكر ، وهذا تشعر به إعادة قوله وَأَنَّهُمْ ، ليكون إيماء إلى تغيير الأسلوب في معاد الضمير ، وتكون ضمائر الجمع من قوله وَإِذا سَمِعُوا - إلى قوله - فَأَثابَهُمُ اللَّهُ [ المائدة : 83 - 85 ] تابعة لضمير وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ . وقرينة صرف الضمائر المتشابهة إلى معادين هي سياق الكلام . ومثله وارد في الضمائر كقوله تعالى : وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها [ الروم : 9 ] . فضمير الرفع في عَمَرُوها الأول عائد إلى غير ضمير الرفع في عَمَرُوها الثاني . وكقول عبّاس بن مرداس : عدنا ولولا نحن أحدق جمعهم * بالمسلمين وأحرزوا ما جمّعوا