الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
166
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فائدة علمهم وحكمتهم واختلط المرعيّ بالهمل والحابل بالنابل ، وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « من استرعاه اللّه رعيّة فغشّها لم يشمّ رائحة الجنّة » . فالمشركون من العرب أقرب إلى المعذرة لأنّهم قابلوا الرسول من أوّل وهلة بقولهم : إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ [ الزخرف : 22 ] ، وقال قوم شعيب أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا [ هود : 87 ] ، بخلاف اليهود آمنوا برسلهم ابتداء ثمّ انتقضوا عليهم بالتّكذيب والتّقتيل إذا حملوهم على ما فيه خيرهم ممّا لا يهوونه . وتقديم المفعول في قوله : فَرِيقاً كَذَّبُوا لمجرّد الاهتمام بالتفصيل لأنّ الكلام مسوق مساق التّفصيل لأحوال رسل بني إسرائيل باعتبار ما لاقوه من قومهم ، ولأنّ في تقديم مفعول يَقْتُلُونَ رعاية على فاصلة الآي ، فقدّم مفعول كَذَّبُوا ليكون المفعولان على وتيرة واحدة . وجيء في قوله : يَقْتُلُونَ بصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية لاستحضار تلك الحالة الفظيعة إبلاغا في التعجيب من شناعة فاعليها . والضّمائر كلّها راجعة إلى بني إسرائيل باعتبار أنّهم أمّة يخلف بعض أجيالها بعضا ، وأنّها رسخت فيها أخلاق متماثلة وعوائد متّبعة بحيث يكون الخلف منهم فيها على ما كان عليه السلف ؛ فلذلك أسندت الأفعال الواقعة في عصور متفاوتة إلى ضمائرهم مع اختلاف الفاعلين ، فإنّ الّذين قتلوا بعض الأنبياء فريق غير الّذين اقتصروا على التكذيب . [ 71 ] [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 71 ] وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ( 71 ) عطف على قوله : كَذَّبُوا [ المائدة : 70 ] و يَقْتُلُونَ [ المائدة : 70 ] لبيان فساد اعتقادهم النّاشئ عنه فاسد أعمالهم ، أي فعلوا ما فعلوا من الفظائع عن تعمّد بغرور ، لا عن فلتة أو ثائرة نفس حتّى ينيبوا ويتوبوا . والضّمائر البارزة عائدة مثل الضّمائر المتقدّمة في قوله كَذَّبُوا و يَقْتُلُونَ . وظنّوا أنّ فعلهم لا تلحقهم منه فتنة . والفتنة مرج أحوال النّاس واضطراب نظامهم من جرّاء أضرار ومصائب متوالية ، وقد تقدّم تحقيقها عند قوله : إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ في سورة البقرة [ 102 ] . وهي قد تكون عقابا من اللّه للنّاس جزاء عن سوء فعلهم أو تمحيصا لصادق إيمانهم لتعلو بذلك درجاتهم إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [ البروج : 10 ] الآية . وسمّى القرآن هاروت وماروت فتنة ، وسمّى النبي صلى اللّه عليه وسلّم الدجّال فتنة ، وسمّى القرآن مزالّ الشيطان فتنة لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ