الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

163

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

عطف الجمل لا عطف المفردات ، فيقدّر السامع خبرا يقدّره بحسب سياق الكلام . ومن ذلك قوله تعالى : أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ [ التوبة : 3 ] ، أي ورسوله كذلك ، فإنّ براءته منهم في حال كونه من ذي نسبهم وصهرهم أمر كالغريب ليظهر منه أنّ آصرة الدّين أعظم من جميع تلك الأواصر ، وكذلك هذا المعطوف هنا لمّا كان الصابون أبعد عن الهدى من اليهود والنّصارى في حال الجاهلية قبل مجيء الإسلام ، لأنّهم التزموا عبادة الكواكب ، وكانوا مع ذلك تحقّ لهم النّجاة إن آمنوا باللّه واليوم الآخر وعملوا صالحا ، كان الإتيان بلفظهم مرفوعا تنبيها على ذلك . لكن كان الجري على الغالب يقتضي أن لا يؤتى بهذا المعطوف مرفوعا إلّا بعد أن تستوفي ( إنّ ) خبرها ، إنّما كان الغالب في كلام العرب أن يؤتى بالاسم المقصود به هذا الحكم مؤخّرا ، فأمّا تقديمه كما في هذه الآية فقد يتراءى للنّاصر أنّه ينافي المقصد الّذي لأجله خولف حكم إعرابه ، ولكن هذا أيضا استعمال عزيز ، وهو أن يجمع بين مقتضيي حالين ، وهما للدّلالة على غرابة المخبر عنه في هذا الحكم . والتّنبيه على تعجيل الإعلام بهذا الخبر فإنّ الصابئين يكادون ييأسون من هذا الحكم أو ييأس منهم من يسمع الحكم على المسلمين واليهود . فنبّه الكلّ على أنّ عفو اللّه عظيم لا يضيق عن شمولهم ، فهذا موجب التّقديم مع الرّفع ، ولو لم يقدّم ما حصل ذلك الاعتبار ، كما أنّه لو لم يرفع لصار معطوفا على اسم ( إنّ ) فلم يكن عطفه عطف جملة . ثمّ عقّب ذلك كلّه بقوله : وَعَمِلَ صالِحاً ، وهو المقصود بالذّات من ربط السلامة من الخوف والحزن ، به ، فهو قيد في المذكورين كلّهم من المسلمين وغيرهم ، وأوّل الأعمال الصّالحة تصديق الرّسول والإيمان بالقرآن ، ثم يأتي امتثال الأوامر واجتناب المنهيات كما قال تعالى : وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ - إلى قوله - ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا [ البلد : 12 - 17 ] . [ 70 ] [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 70 ] لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ( 70 ) استئناف عاد به الكلام على أحوال اليهود وجراءتهم على اللّه وعلى رسله . وذلك تعريض باليأس من هديهم بما جاء به محمّد صلى اللّه عليه وسلّم وبأنّ ما قابلوا به دعوته ليس بدعا منهم بل ذلك دأبهم جيلا بعد جيل . وقد تقدّم الكلام على أخذ الميثاق على اليهود غير مرّة . أولاها في سورة البقرة [ 83 ] .