الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
157
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أعدائه فافتتح تطمينه بذكر اسم اللّه ، لأنّ المعنى أنّ هذا ما عليك . فأمّا ما علينا فاللّه يعصمك ، فموقع تقديم اسم الجلالة هنا مغن عن الإتيان بأمّا . على أنّ الشيخ عبد القاهر قد ذكر في أبواب التّقديم من « دلائل الإعجاز » أنّ ممّا يحسن فيه تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي ويكثر ؛ الوعد والضّمان ، لأنّ ذلك ينفي أن يشكّ من يوعد في تمام الوعد والوفاء به فهو من أحوج النّاس إلى التّأكيد ، كقول الرّجل : أنا أكفيك ، أنا أقوم بهذا الأمر انتهى . ومنه قوله تعالى حكاية عن يوسف وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ [ يوسف : 72 ] . فقوله : وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ فيه هذا المعنى أيضا . والعصمة هنا الحفظ والوقاية من كيد أعدائه . و النَّاسِ في الآية مراد به الكفّار من اليهود والمنافقين والمشركين ، لأنّ العصمة بمعنى الوقاية تؤذن بخوف عليه ، وإنّما يخاف عليه أعداءه لا أحبّاءه ، وليس في المؤمنين عدوّ لرسوله . فالمراد العصمة من اغتيال المشركين ، لأنّ ذلك هو الّذي كان يهمّ النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم ، إذ لو حصل ذلك لتعطّل الهدي الّذي كان يحبّه النّبيء للنّاس ، إذ كان حريصا على هدايتهم ، ولذلك كان رسول اللّه ، لمّا عرض نفسه على القبائل في أوّل بعثته ، يقول لهم « أن تمنعوني حتّى أبيّن عن اللّه ما بعثني به - أو - حتّى أبلّغ رسالات ربّي » . فأمّا ما دون ذلك من أذى وإضرار فذلك ممّا نال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ليكون ممّن أوذي في اللّه : فقد رماه المشركون بالحجارة حتّى أدموه وقد شجّ وجهه . وهذه العصمة الّتي وعد بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم قد تكرّر وعده بها في القرآن كقوله : فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ [ البقرة : 137 ] . وفي غير القرآن ، فقد جاء في بعض الآثار أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم أخبر وهو بمكّة أنّ اللّه عصمه من المشركين . وجاء في الصّحيح عن عائشة أنّ رسول اللّه كان يحرس في المدينة ، وأنّه حرسه ذات ليلة سعد بن أبي وقّاص وحذيفة وأنّ رسول اللّه أخرج رأسه من قبّة وقال لهم : « الحقوا بملاحقكم فإنّ اللّه عصمني » ، و أنّه قال في غزوة ذات الرقاع سنة ستّ للأعرابي غورث بن الحارث الّذي وجد رسول اللّه نائما في ظلّ شجرة ووجد سيفه معلّقا فاخترطه وقال للرسول : من يمنعك منّي ، فقال : اللّه ، فسقط السيف من يد الأعرابي . وكلّ ذلك كان قبل زمن نزول هذه الآية . والّذين جعلوا بعض ذلك سببا لنزول هذه الآية قد خلطوا . فهذه الآية تثبيت للوعد وإدامة له وأنّه لا يتغيّر مع تغيّر صنوف الأعداء . ثمّ أعقبه بقوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ليتبيّن أنّ المراد بالنّاس كفّارهم ، وليؤمي إلى أنّ سبب عدم هدايتهم هو كفرهم . والمراد بالهداية هنا تسديد أعمالهم وإتمام مرادهم ، فهو وعد لرسوله بأنّ أعداءه لا يزالون مخذولين لا يهتدون سبيلا لكيد الرّسول