الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

154

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والّذي ظهر من تتبّع سيرة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم أنّه كان يبادر بإبلاغ القرآن عند نزوله ، فإذا نزل عليه ليلا أخبر به عند صلاة الصّبح . وفي حديث عمر ، قال رسول اللّه : « لقد أنزلت عليّ اللّيلة سورة لهي أحبّ إليّ ممّا طلعت عليه الشّمس » ثمّ قرأ : إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً [ الفتح : 1 ] . وفي حديث كعب بن مالك في تخلّفه عن غزوة تبوك « فأنزل اللّه توبتنا على نبيّه حين بقي الثلث الآخر من اللّيل ورسول اللّه عند أمّ سلمة ، فقال : يا أمّ سلمة تيب على كعب بن مالك ، قالت : أفلا أرسل إليه فأبشّره ، قال : « إذا يحطمكم النّاس فيمنعونكم النّوم سائر اللّيلة . حتّى إذا صلّى رسول اللّه صلاة الفجر آذن بتوبة اللّه علينا » . و في حديث ابن عبّاس : أنّ رسول اللّه نزلت عليه سورة الأنعام جملة واحدة بمكّة ودعا رسول اللّه الكتّاب فكتبوها من ليلتهم . وفي الإتيان بضمير المخاطب في قوله : إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إيماء عظيم إلى تشريف الرسول صلى اللّه عليه وسلّم بمرتبة الوساطة بين اللّه والنّاس ، إذ جعل الإنزال إليه ولم يقل إليكم أو إليهم ، كما قال في آية آل عمران [ 199 ] وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ ، وقوله : لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [ النحل : 44 ] . وفي تعليق الإنزال بأنّه من الرّب تشريف للمنزّل . والإتيان بلفظ الرّب هنا دون اسم الجلالة لما في التذكير بأنّه ربّه من معنى كرامته ، ومن معنى أداء ما أراد إبلاغه ، كما ينبغي من التعجيل والإشاعة والحثّ على تناوله والعمل بما فيه . وعلى جميع الوجوه المتقدّمة دلّت الآية على أنّ الرسول مأمور بتبليغ ما أنزل إليه كلّه ، بحيث لا يتوهّم أحد أنّ رسول اللّه قد أبقى شيئا من الوحي لم يبلّغه . لأنّه لو ترك شيئا منه لم يبلّغه لكان ذلك ممّا أنزل إليه ولم يقع تبليغه ، وإذ قد كانت هذه الآية من آخر ما نزل من القرآن علمنا أنّ من أهمّ مقاصدها أنّ اللّه أراد قطع تخرّص من قد يزعمون أنّ الرسول قد استبقى شيئا لم يبلّغه ، أو أنّه قد خصّ بعض النّاس بإبلاغ شيء من الوحي لم يبلّغه للنّاس عامّة . فهي أقطع آية لإبطال قول الرافضة بأنّ القرآن أكثر ممّا هو في المصحف الّذي جمعه أبو بكر ونسخه عثمان ، وأنّ رسول اللّه اختصّ بكثير من القرآن عليّا بن أبي طالب وأنّه أورثه أبناءه وأنّه يبلغ وقر بعير ، وأنّه اليوم مختزن عند الإمام المعصوم الّذي يلقّبه بعض الشيعة بالمهدي المنتظر وبالوصيّ . وكانت هذه الأوهام ألمّت بأنفس بعض المتشيّعين إلى عليّ - رضي اللّه عنه - في مدّة