الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

147

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

( أنشده في « الكشاف » ولم يعزه هو ولا شارحوه ) : جاد الحمى بسط اليدين بوابل * شكرت نداه تلاعه ووهاده وجملة يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ بيان لاستعارة يَداهُ مَبْسُوطَتانِ . و كَيْفَ اسم دالّ على الحالة وهو مبني في محلّ نصب على الحال . وفي قوله : كَيْفَ يَشاءُ زيادة إشارة إلى أن تقتيره الرزق على بعض عبيده لمصلحة ، مثل العقاب على كفران النعمة ، قال تعالى : وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ [ الشورى : 27 ] . وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً . عطف على جملة وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ . وقع معترضا بين الردّ عليهم بجملة بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ وبين جملة وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ ، وهذا بيان للسبب الّذي بعثهم على تلك المقالة الشنيعة ، أي أعماهم الحسد فزادهم طغيانا وكفرا ، وفي هذا إعداد للرسول - عليه الصلاة والسلام - لأخذ الحذر منهم ، وتسلية له بأنّ فرط حنقهم هو الّذي أنطقهم بذلك القول الفظيع . وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ . عطف على جملة وَلُعِنُوا بِما قالُوا عطف الخبر على الإنشاء على أحد الوجهين فيه . وفي هذا الخبر الإيماء إلى أنّ اللّه عاقبهم في الدّنيا على بغضهم المسلمين بأن ألقى البغضاء بين بعضهم وبعض ، فهو جزاء من جنس العمل ، وهو تسلية للرّسول صلى اللّه عليه وسلم أن لا يهمّه أمر عداوتهم له ، فإنّ البغضاء سجيتهم حتّى بين أقوامهم وأنّ هذا الوصف دائم لهم شأن الأوصاف الّتي عمي أصحابها عن مداواتها بالتخلّق الحسن . وتقدّم القول في نظيره آنفا . كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ . تركيب أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ تمثيل ، شبّه به حال التهيّؤ للحرب والاستعداد لها والحزامة في أمرها ، بحال من يوقد النّار لحاجة بها فتنطفئ ، فإنّه شاعت استعارات معاني التسعير والحمي والنّار ونحوها للحرب ، ومنه حمي الوطيس ، وفلان مسعر حرب ، ومحشّ حرب ، فقوله : أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ كذلك ، ولا نار في الحقيقة ، إذ لم يؤثر عن العرب أنّ لهم نارا تختصّ بالحرب تعدّ في نيران العرب الّتي يوقدونها لأغراض . وقد وهم من ظنّها حقيقة ، ونبّه المحقّقون على وهمه .