الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

144

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والمقصود من ذكر ذلك هنا تعيير اليهود المجادلين للمسلمين بمساوي أسلافهم إبكاتا لهم عن التطاول . على أنّه إذا كانت تلك شنشنتهم أزمان قيام الرسل والنبيئين بين ظهرانيهم فهم فيما بعد ذلك أسوأ حالا وأجدر بكونهم شرّا ، فيكون الكلام من ذمّ القبيل كلّه . على أنّ كثيرا من موجبات اللّعنة والغضب والمسخ قد ارتكبتها الأخلاف ، على أنّهم شتموا المسلمين بما زعموا أنّه دينهم فيحقّ شتمهم بما نعتقده فيهم . [ 61 - 63 ] [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 61 إلى 63 ] وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ ( 61 ) وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 62 ) لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ ( 63 ) عطف وَإِذا جاؤُكُمْ على قوله : وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً [ المائدة : 58 ] الآية ، وخصّ بهذه الصّفات المنافقون من اليهود من جملة الّذين اتّخذوا الدّين هزوءا ولعبا ، فاستكمل بذلك التّحذير ممّن هذه صفتهم المعلنين منهم والمنافقين . ولا يصحّ عطفه على صفات أهل الكتاب في قوله : وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ [ المائدة : 60 ] لعدم استقامة المعنى ، وبذلك يستغني عن تكلّف وجه لهذا العطف . ومعنى قوله : وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ أنّ الإيمان لم يخالط قلوبهم طرفة عين ، أي هم دخلوا كافرين وخرجوا كذلك ، لشدّة قسوة قلوبهم ، فالمقصود استغراق الزمنين وما بينهما ، لأنّ ذلك هو المتعارف ، إذ الحالة إذا تبدّلت استمرّ تبدّلها ، ففي ذلك تسجيل الكذب في قولهم : آمنّا ، والعرب تقول : خرج بغير الوجه الذي دخل به . والرؤية في قوله : وَتَرى بصرية ، أي أنّ حالهم في ذلك بحيث لا يخفى على أحد . والخطاب لكلّ من يسمع . وتقدّم معنى يُسارِعُونَ عند قوله : لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ * [ النساء : 41 ] . والإثم : المفاسد من قول وعمل ، أريد به هنا الكذب ، كما دلّ عليه قوله : عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ . والعدوان : الظلم ، والمراد به الاعتداء علي المسلمين إن استطاعوه . والسحت تقدّم في قوله : سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ [ المائدة : 42 ] .