الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
12
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بِالْعُقُودِ فتأويله أنّ مجموع الكلام تفصيل لا خصوص جملة أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ ؛ فإنّ إباحة الأنعام ليست عقدا يجب الوفاء به إلّا باعتبار ما بعده من قوله : « إلّا ما يتلى عليكم » . وباعتبار إبطال ما حرّم أهل الجاهلية باطلا ممّا شمله قوله تعالى : ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ [ المائدة : 103 ] الآيات . والقول عندي أنّ جملة أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ تمهيد لما سيرد بعدها من المنهيات : كقوله : غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وقوله : وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى [ المائدة : 2 ] التي هي من عقود شريعة الإسلام فكان الابتداء بذكر بعض المباح امتنانا وتأنيسا للمسلمين ، ليتلقّوا التكاليف بنفوس مطمئنّة ؛ فالمعنى : إن حرّمنا عليكم أشياء فقد أبحنا لكم أكثر منها ، وإن ألزمناكم أشياء فقد جعلناكم في سعة من أشياء أوفر منها ، ليعلموا أنّ اللّه ما يريد منهم إلّا صلاحهم واستقامتهم . فجملة أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ مستأنفة استئنافا ابتدائيا لأنّها تصدير للكلام بعد عنوانه . والبهيمة : الحيوان البرّي من ذوي الأربع إنسيّها ووحشيّها ، عدا السباع ، فتشمل بقر الوحش والظباء . وإضافة بهيمة إلى الأنعام من إضافة العامّ للخاصّ ، وهي بيانية كقولهم : ذباب النحل ومدينة بغداد . فالمراد الأنعام خاصّة ، لأنّها غالب طعام الناس ، وأمّا الوحش فداخل في قوله : غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ، وهي هنا لدفع توهّم أن يراد من الأنعام خصوص الإبل لغلبة إطلاق اسم الأنعام عليها ، فذكرت ( بهيمة ) لشمول أصناف الأنعام الأربعة : الإبل ، والبقر ، والغنم ، والمعز . والإضافة البيانيّة على معنى ( من ) التي للبيان ، كقوله تعالى : فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [ الحج : 30 ] . والاستثناء في قوله : إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ من عموم الذوات والأحوال ، وما يتلى هو ما سيفصّل عند قوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [ المائدة : 3 ] ، وكذلك قوله : غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ، الواقع حالا من ضمير الخطاب في قوله : أُحِلَّتْ لَكُمْ ، وهو حال مقيّد معنى الاستثناء من عموم أحوال وأمكنة ، لأنّ الحرم جمع حرام مثل رداح على ردح . وسيأتي تفصيل هذا الوصف عند قوله تعالى : جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ في هذه السورة [ 97 ] . والحرام وصف لمن أحرم بحجّ أو عمرة ، أي نواهما . ووصف أيضا لمن كان حالا في الحرم ، ومن إطلاق المحرم على الحالّ بالحرم قول الراعي :