الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

110

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الذي في الآية مخصوص بالإجماع ) . وإن لم يكن كذلك كالنزاع في الطلاق والمعاملات . فمن العلماء من قال : حكم هذا التخيير محكم غير منسوخ ، وقالوا : الآية نزلت في قصّة الرجم ( الّتي رواها مالك في « الموطأ » والبخاري ومن بعده ) وذلك أنّ يهوديا زنى بامرأة يهوديّة ، فقال جميعهم : لنسأل محمّدا عن ذلك . فتحاكموا إليه ، فخيّره اللّه تعالى . واختلف أصحاب هذا القول فقال فريق منهم : كان اليهود بالمدينة يومئذ أهل موادعة ولم يكونوا أهل ذمّة ، فالتّخيير باق مع أمثالهم ممّن ليس داخلا تحت ذمّة الإسلام ، بخلاف الّذين دخلوا في ذمّة الإسلام ، فهؤلاء إذا تحاكموا إلى المسلمين وجب الحكم بينهم . وهو قول ابن القاسم في رواية عيسى بن دينار ، لأنّ اليهوديين كانا من أهل خيبر أو فدك وهما يومئذ من دار الحرب في موادعة . وقال الجمهور : هذا التخيير عام في أهل الذمّة أيضا . وهذا قول مالك ورواية عن الشافعي . قال مالك : الأعراض أولى . وقيل : لا يحكم بينهم في الحدود ، وهذا أحد قولي الشافعي . وقيل : التّخيير منسوخ بقوله تعالى بعد وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ [ المائدة : 49 ] ، وهو قول أبي حنيفة ، وقاله ابن عبّاس ، ومجاهد ، وعكرمة ، والسديّ ، وعمر بن عبد العزيز ، والنخعي ، وعطاء ، الخراساني ، ويبعده أنّ سياق الآيات يقتضي أنّها نزلت في نسق واحد فيبعد أن يكون آخرها نسخا لأوّلها . وقوله : وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ أي بالعدل . والعدل : الحكم الموافق لشريعة الإسلام . وهذا يحتمل أنّ اللّه نهى رسوله عن أن يحكم بينهم بما في التّوراة لأنّها شريعة منسوخة بالإسلام . وهذا الّذي رواه مالك . وعلى هذا فالقصّة الّتي حكّموا فيها رسول اللّه لم يحكم فيها الرسول على الزانيين ولكنّه قصر حكمه على أن بيّن لليهود حقيقة شرعهم في التّوراة ، فاتّضح بطلان ما كانوا يحكمون به لعدم موافقته شرعهم ولا شرع الإسلام ؛ فهو حكم على اليهود بأنّهم كتموا . ويكون ما وقع في حديث « الموطأ » والبخاري : أنّ الرجل والمرأة رجما ، إنّما هو بحكم أحبارهم . ويحتمل أنّ اللّه أمره أن يحكم بينهم بما في التّوراة لأنّه يوافق حكم الإسلام ؛ فقد حكم فيه بالرجم قبل حدوث هذه الحادثة أو بعدها . ويحتمل أنّ اللّه رخّص له أن يحكم بينهم بشرعهم حين حكّموه . وبهذا قال بعض العلماء فيما حكاه القرطبي . وقائل هذا يقول : هذا نسخ بقوله تعالى : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ [ المائدة : 49 ] ، وهو قول جماعة من التّابعين . ولا داعي إلى دعوى النسخ ، ولعلّهم أرادوا به ما يشمل البيان ، كما سنذكره عند قوله : فَاحْكُمْ