الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
9
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ووصل خَلَقَكُمْ بصلة مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ إدماج للتنبيه على عجيب هذا الخلق وحقّه بالاعتبار . وفي الآية تلويح للمشركين بأحقّيّة اتّباعهم دعوة الإسلام ، لأنّ الناس أبناء أب واحد ، وهذا الدين يدعو الناس كلّهم إلى متابعته ولم يخصّ أمّة من الأمم أو نسبا من الأنساب ، فهو جدير بأن يكون دين جميع البشر ، بخلاف بقية الشرائع فهي مصرّحة باختصاصها بأمم معيّنة . وفي الآية تعريض للمشركين بأنّ أولى الناس بأن يتّبعوه هو محمد صلى اللّه عليه وسلم لأنّه من ذوي رحمهم . وفي الآية تمهيد لما سيبيّن في هذه السورة من الأحكام المرتّبة على النسب والقرابة . والنفس الواحدة : هي آدم . والزوج : حوّاء ، فإنّ حوّاء أخرجت من آدم . من ضلعه ، كما يقتضيه ظاهر قوله : مِنْها . و ( من ) تبعيضية . ومعنى التبعيض أنّ حوّاء خلقت من جزء من آدم . قيل : من بقية الطينة التي خلق منها آدم . وقيل : فصلت قطعة من ضلعه وهو ظاهر الحديث الوارد في « الصحيحين » . ومن قال : إنّ المعنى وخلق زوجها من نوعها لم يأت بطائل ، لأنّ ذلك لا يختصّ بنوع الإنسان فإنّ أنثى كلّ نوع هي من نوعه . وعطف قوله : وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها على خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ، فهو صلة ثانية . وقوله : وَبَثَّ مِنْهُما صلة ثالثة لأنّ الذي يخلق هذا الخلق العجيب جدير بأن يتّقى ، ولأنّ في معاني هذه الصلات زيادة تحقيق اتّصال الناس بعضهم ببعض ، إذ الكلّ من أصل واحد ، وإن كان خلقهم ما حصل إلّا من زوجين فكلّ أصل من أصولهم ينتمي إلى أصل فوقه . وقد حصل من ذكر هذه الصلات تفصيل لكيفية خلق اللّه الناس من نفس واحدة . وجاء الكلام على هذا النظم توفية بمقتضى الحال الداعي للإتيان باسم الموصول ، ومقتضى الحال الداعي لتفصيل حالة الخلق العجيب . ولو غير هذا الأسلوب فجيء بالصورة المفصّلة دون سبق إجمال ، فقيل : الذي خلقكم من نفس واحدة وبثّ منها رجالا كثيرا ونساء لفاتت الإشارة إلى الحالة العجيبة . وقد ورد في الحديث : أنّ حواء خلقت من ضلع آدم ، فلذلك يكون حرف ( من ) في قوله : وَخَلَقَ مِنْها للابتداء ، أي أخرج خلق حواء من ضلع آدم . والزوج هنا أريد به الأنثى الأولى التي تناسل منها البشر ، وهي حوّاء . وأطلق عليها اسم الزوج لأنّ الرجل يكون منفردا فإذا اتّخذ امرأة فقد صارا زوجا