الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
89
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بعدها آية تنسخها ، وأمرنا بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثم قال رجل برأيه ما شاء » يعني عمر بن الخطاب حين نهى عنها في زمن من خلافته بعد أن عملوا بها في معظم خلافته ، وكان ابن عباس يفتي بها ، فلمّا قال له سعيد بن جبير : أتدري ما صنعت بفتواك فقد سارت بها الركبان حتّى قال القائل : قد قلت للركب إذ طال الثّواء بنا * يا صاح هل لك في فتوى ابن عبّاس في بضّة رخصة الأطراف ناعمة * تكون مثواك حتّى مرجع الناس أمسك عن الفتوى وقال : إنّما أحللت مثل ما أحلّ اللّه الميتة والدم ، يريد عند الضرورة . واختلف العلماء في ثبات علي على إباحتها ، وفي رجوعه . والذي عليه علماؤنا أنّه رجع عن إباحتها . أمّا عمران بن حصين فثبت على الإباحة . وكذلك ابن عباس على « الصحيح » . وقال مالك : يفسخ نكاح المتعة قبل البناء وبعد البناء ، وفسخه بغير طلاق ، وقيل : بطلاق ، ولا حدّ فيه على الصحيح من المذهب ، وأرجح الأقوال أنّها رخصة للمسافر ونحوه من أحوال الضرورات ، ووجه مخالفتها للمقصد من النكاح ما فيها من التأجيل . وللنظر في ذلك مجال . والذي يستخلص من مختلف الأخبار أنّ المتعة أذن فيها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مرتين ، ونهى عنها مرتين ، والذي يفهم من ذلك أن ليس ذلك بنسخ مكرّر ولكنّه إناطة إباحتها بحال الاضطرار ، فاشتبه على الرواة تحقيق عذر الرخصة بأنّه نسخ . وقد ثبت أنّ الناس استمتعوا في زمن أبي بكر ، وعمر ، ثم نهى عنها عمر في آخر خلافته . والذي استخلصناه في حكم نكاح المتعة أنّه جائز عند الضرورة الداعية إلى تأجيل مدّة العصمة ، مثل الغربة في سفر أو غزو إذا لم تكن مع الرجل زوجه . ويشترط فيه ما يشترط في النكاح من صداق وإشهاد ووليّ حيث يشترط ، وأنّها تبين منه عند انتهاء الأجل ، وأنّها لا ميراث فيها بين الرجل والمرأة ، إذا مات أحدهما في مدة الاستمتاع ، وأنّ عدّتها حيضة واحدة ، وأنّ الأولاد لاحقون بأبيهم المستمتع . وشذّ النحّاس فزعم أنّه لا يلحق الولد بأبيه في نكاح المتعة . ونحن نرى أنّ هذه الآية بمعزل عن أن تكون نازلة في نكاح المتعة ، وليس سياقها سامحا بذلك ، ولكنّها صالحة لاندراج المتعة في عموم فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ فيرجع في مشروعية نكاح المتعة إلى ما سمعت آنفا . [ 25 ]