الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

78

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فيحتمل أنّ أصل أم أمّا أو أمّها فوقع فيه الحذف ثمّ أرجعوها في الجمع . ومن غريب الاتّفاق أنّ أسماء أعضاء العائلة لم تجر على قياس مثل أب ، إذ كان على حرفين ، وأخ ، وابن ، وابنة ، وأحسب أنّ ذلك من أثر أنّها من اللّغة القديمة التي نطق بها البشر قبل تهذيب اللغة ، ثمّ تطوّرت اللّغة عليها وهي هي . والمراد من الأمهات وما عطف عليها الدنيا وما فوقها ، وهؤلاء المحرّمات من النسب ، وقد أثبت اللّه تعالى تحريم من ذكرهنّ ، وقد كنّ محرّمات عند العرب في جاهليتها ، تأكيدا لذلك التحريم وتغليظا له ، إذ قد استقرّ ذلك في الناس من قبل ، فقد قالوا ما كانت الأمّ حلالا لابنها قطّ من عهد آدم عليه السلام ، وكانت الأخت التوأمة حراما وغير التوأمة حلالا ، ثمّ حرّم اللّه الأخوات مطلقا من عهد نوح عليه السلام ، ثم حرّمت بنات الأخ ، ويوجد تحريمهنّ في شريعة موسى عليه السلام ، وبقي بنات الأخت حلالا في شريعة موسى ، وثبت تحريمهنّ عند العرب في جاهليتها فيما روى ابن عطية في تفسيره ، عن ابن عباس : أنّ المحرّمات المذكورات هنا كانت محرّمة في الجاهلية ، إلّا امرأة الأب ، والجمع بين الأختين . ومثله نقله القرطبي عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة مع زيادة توجيه ذكر الاستثناء بقوله : إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ في هذين خاصة ، وأحسب أن هذا كلّه توطئة لتأويل الاستثناء في قول إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ بأنّ معناه : إلّا ما سلف منكم في الجاهلية فلا إثم عليكم فيه ، كما سيأتي ، وكيف يستقيم ذلك فقد ذكر فيهنّ تحريم الربائب والأخوات من الرضاعة ، ولا أحسبهنّ كنّ محرّمات في الجاهلية . واعلم أنّ شريعة الإسلام قد نوّهت ببيان القرابة القريبة ، فغرست لها في النفوس وقارا ينزّه عن شوائب الاستعمال في اللّهو والرفث ، إذ الزواج ، وإن كانّ غرضا صالحا باعتبار غايته ، إلّا أنّه لا يفارق الخاطر الأوّل الباعث عليه ، وهو خاطر اللهو والتلذّذ . فوقار الولادة ، أصلا وفرعا ، مانع من محاولة اللهو بالوالدة أو المولودة ، ولذلك اتّفقت الشرائع على تحريمه ، ثم تلا حق ذلك في بنات الإخوة وبنات الأخوات ، وكيف يسري الوقار إلى فرع الأخوات ولا يثبت للأصل ، وكذلك سرى وقار الآباء إلى أخوات الآباء ، وهنّ العمّات ، ووقار الأمّهات إلى أخواتهنّ وهنّ الخالات ، فمرجع تحريم هؤلاء المحرّمات إلى قاعدة المروءة التابعة لكليّة حفظ العرض ، من قسم المناسب الضروري ، وذلك من أوائل مظاهر الرقي البشري . و ( ال ) في قوله : وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ عوض عن المضاف إليه أي بنات أخيكم وبنات أختكم .