الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

61

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

إلى أهله فقال : به جنون ؟ قالوا : لا ، وأبكر هو أم ثيّب ؟ قالوا : بل ثيّب . فأمر به فرجم . الثاني : قضيّة الغامدية ، أنّها جاءت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فاعترفت بالزنا وهي حبلى فأمرها أن تذهب حتّى تضع ، ثم حتّى ترضعه ، فلمّا أتمّت رضاعه جاءت فأمر بها فرجمت . الثالث : حديث أبي هريرة ، وخالد الجهني ، أنّ رجلين اختصما إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال أحدهما : يا رسول اللّه اقض بيننا بكتاب اللّه . وقال الآخر - وهو أفقههما - : أجل يا رسول اللّه اقض بيننا بكتاب اللّه واذن لي في أن أتكلّم ؟ قال : تكلّم . قال : إنّ ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته فأخبروني أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة وبجارية لي ، ثم إنّي سألت أهل العلم فأخبروني أنّما على ابني جلد مائة وتغريب عام ، وأخبروني أنّما الرجم على امرأته ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أما والذي نفسي بيده لأقضينّ بينكما بكتاب اللّه ، أمّا غنمك وجاريتك فردّ عليك - وجلد ابنه مائة وغربه عاما - واغد يا أنيس ( هو أنيس بن الضّحاك ويقال ابن مرثد الأسلمي ) على زوجة هذا ، فإن اعترفت فارجمها ، فاعترفت فرجمها . قال مالك والعسيف الأجير . هذه الأحاديث مرسل منها اثنان في « الموطأ » ، وهي مسندة في غيره ، فثبت بها وبالعمل حكم الرجم للمحصنين ، قال ابن العربي : هو خبر متواتر نسخ القرآن . يريد أنّه متواتر لدى الصحابة فلتواتره أجمعوا على العمل به . وأمّا ما بلغ إلينا وإلى ابن العربي وإلى من قبله فهو أخبار آحاد لا تبلغ مبلغ متواتر ، فالحقّ أنّ دليل رجم المحصنين هو ما نقل إلينا من إجماع الصحابة وسنتعرّض إلى ذلك في سورة النور ، ولذلك قال بالرجم الشافعي مع أنّه لا يقول بنسخ القرآن بالسّنة . والقائلون بأنّ حكم الرجم ناسخ لحكم الحبس في البيوت قائلون بأنّ دليل النسخ هو حديث قد : يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا وفيه ( والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ) فتضمنّ الجلد ، ونسب هذا القول للشافعي وجماعة ، وأورد الجصّاص على الشافعي أنّه يلزمه أنّ القرآن نسخ بالسنّة ، وأنّ السنّة نسخت بالقرآن ، وهو لا يرى الأمرين ، وأجاب الخطابي بأنّ آية النساء مغياة ، فالحديث بيّن الغاية ، وأنّ آية النور نزلت بعد ذلك ، والحديث خصّصها من قبل نزولها . قلت : وعلى هذا تكون آية النور نزلت تقريرا لبعض الحكم الذي في حديث الرجم ، على أنّ قوله : إنّ آية النساء مغيّاة ، لا يجدي لأنّ الغاية المبهمة لمّا كان بيانها إبطالا لحكم المغيّا فاعتبارها اعتبار النسخ ، وهل النسخ كلّه إلّا إيذان بوصول غاية الحكم المرادة للّه غير مذكورة في اللفظ ، فذكرها في بعض الأحكام على إبهامها لا يكسو النزول غير شعار النسخ . وقال بعضهم شرع الأذى ثم نسخ بالحبس في