الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
6
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
آل عمران ، ثم سورة الأحزاب ، ثم الممتحنة ، ثم النساء ، فإذا كان كذلك تكون سورة النساء نازلة بعد وقعة الأحزاب التي هي في أواخر سنة أربع أو أوّل سنة خمس من الهجرة ، وبعد صلح الحديبية الذي هو في سنة ستّ حيث تضمّنت سورة الممتحنة شرط إرجاع من يأتي المشركين هاربا إلى المسلمين عدا النساء ، وهي آية : إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ [ الممتحنة : 10 ] الآية . وقد قيل : إنّ آية : وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ [ النساء : 2 ] نزلت في رجل من غطفان له ابن أخ له يتيم ، وغطفان أسلموا بعد وقعة الأحزاب ، إذ هم من جملة الأحزاب ، أي بعد سنة خمس . ومن العلماء من قال : نزلت سورة النساء عند الهجرة . وهو بعيد . وأغرب منه من قال : إنّها نزلت بمكّة لأنّها افتتحت بيا أيّها الناس ، وما كان فيه يا أيها النّاس فهو مكّي ، ولعلّه يعني أنّها نزلت بمكّة أيام الفتح لا قبل الهجرة لأنّهم يطلقون المكّي بإطلاقين . وقال بعضهم : نزل صدرها بمكّة وسائرها بالمدينة . والحقّ أنّ الخطاب بيا أيّها الناس لا يدلّ إلّا على إرادة دخول أهل مكّة في الخطاب ، ولا يلزم أن يكون ذلك بمكّة ، ولا قبل الهجرة ، فإنّ كثيرا ممّا فيه يا أيها الناس مدني بالاتّفاق . ولا شكّ في أنّها نزلت بعد آل عمران لأنّ في سورة النساء من تفاصيل الأحكام ما شأنه أن يكون بعد استقرار المسلمين بالمدينة ، وانتظام أحوالهم وأمنهم من أعدائهم . وفيها آية التيمّم ، والتيمّم شرع يوم غزاة المريسيع سنة خمس ، وقيل : سنة ستّ . فالذي يظهر أنّ نزول سورة النساء كان في حدود سنة سبع وطالت مدّة نزولها ، ويؤيّد ذلك أنّ كثيرا من الأحكام التي جاءت فيها مفصّلة تقدّمت مجملة في سورة البقرة من أحكام الأيتام والنساء والمواريث ، فمعظم ما في سورة النساء شرائع تفصيلية في معظم نواحي حياة المسلمين الاجتماعية من نظم الأموال والمعاشرة والحكم وغير ذلك ، على أنّه قد قيل : إنّ آخر آية منها ، وهي آية الكلالة ، هي آخر آية نزلت من القرآن ، على أنّه يجوز أن يكون بين نزول سائر سورة النساء وبين نزول آية الكلالة ، التي في آخرها مدّة طويلة ، وأنّه لمّا نزلت آية الكلالة الأخيرة أمروا بإلحاقها بسورة النساء التي فيها الآية الأولى . ووردت في السنّة تسمية آية الكلالة الأولى آية الشتاء ، وآية الكلالة الأخيرة آية الصيف . ويتعيّن ابتداء نزولها قبل فتح مكّة لقوله تعالى : وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها [ النساء : 75 ] يعني مكّة . وفيها آية : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها [ النساء : 58 ] نزلت يوم فتح مكّة في قصة عثمان بن طلحة الشيبي ، صاحب مفتاح الكعبة ، وليس فيها جدال مع المشركين سوى تحقير دينهم ، نحو قوله : « ومن يشرك باللّه فقد افترى إثما