الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

48

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [ النساء : 11 ] . وقوله : وَوَرِثَهُ أَبَواهُ زاده للدلالة على الاقتصار أي : لا غيرهما ، ليعلم من قوله : فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ أنّ للأب الثلثين ، فإن كان مع الأمّ صاحب فرض لا تحجبه كان على فرضه معها وهي على فرضها . واختلفوا في زوجة وأبوين وزوج وأبوين : فقال ابن عباس : للزوج أو الزوجة فرضهما وللأمّ ثلثها وما بقي للأب ، حملا على قاعدة تعدّد أهل الفروض ، وقال زيد بن ثابت : لأحد الزوجين فرضه وللأمّ ثلث ما بقي وما بقي للأب ، لئلا تأخذ الأمّ أكثر من الأب في صورة زوج وأبوين ، وعلى قول زيد ذهب جمهور العلماء . وفي « سنن ابن أبي شيبة » : أنّ ابن عباس أرسل إلى زيد « أين تجد في كتاب اللّه ثلث ما بقي » فأجاب زيد « إنما أنت رجل تقول برأيك وأنا أقول برأيي » . وقد علم أنّ للأب مع الأمّ الثلثين ، وترك ذكره لأنّ مبني الفرائض على أنّ ما بقي بدون فرض يرجع إلى أصل العصابة عند العرب . وقرأ الجمهور : فلأمّه - بضمّ همزة أمّه - ، وقرأه حمزة ، والكسائي - بكسر الهمزة - اتّباعا لكسرة اللام . وقوله : فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ أي إن كان إخوة مع الأبوين وهو صريح في أنّ الإخوة يحجبون الأمّ فينقلونها من الثلث إلى السدس . والمذكور في الآية صيغة جمع فهي ظاهرة في أنّها لا ينقلها إلى السدس إلّا جماعة من الإخوة ثلاثة فصاعدا ذكورا أو مختلطين . وقد اختلف فيما دون الجمع ، وما إذا كان الإخوة إناثا : فقال الجمهور الأخوان يحجبان الأمّ ، والأختان أيضا ، وخالفهم ابن عباس أخذا بظاهر الآية . أمّا الأخ الواحد أو الأخت فلا يحجب الأمّ واللّه أعلم بحكمة ذلك . واختلفوا في السدس الذي يحجب الإخوة عنه الأمّ : هل يأخذه الإخوة أم يأخذه الأب ، فقال بالأوّل ابن عباس رضي اللّه عنه وهو أظهر ، وقال بالثاني الجمهور بناء على أنّ الحاجب قد يكون محجوبا . وكيفما كان فقد اعتبر اللّه للأخوة حظّا مع وجود الأبوين في حالة خاصّة ، ولو كان الإخوة مع الأمّ ولم يكن أب لكان للأمّ السدس وللأخوة بقية المال باتّفاق ، وربما كان في هذا تعضيد لابن عباس . مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ . المجرور في موضع الحال ، فهو ظرف مستقرّ ، وهو قيد يرجع إلى الجمل المتقدّمة :