الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
43
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ثم يجوز أن يكون ( ناراً ) من قوله : إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً مرادا بها نار جهنّم ، كما هو الغالب في القرآن ، وعليه ففعل يَأْكُلُونَ ناصب ( ناراً ) المذكور على تأويل يأكلون ما يفضي بهم إلى النار ، فأطلق النار مجازا مرسلا بعلاقة الأول أو السببية أي ما يفضي بهم إلى عذاب جهنّم ، فالمعنى أنّهم حين يأكلون أموال اليتامى قد أكلوا ما يفضي بهم إلى جهنّم . وعلى هذا فعطف جملة : وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً عطف مرادف لمعنى جملة يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً . ويجوز أن يكون اسم النار مستعارا للألم بمعنى أسباب الألم فيكون تهديدا بعذاب دنيوي أو مستعارا للتلف لأنّ شأن النار أن تلتهم ما تصيبه ، والمعنى إنّما يأخذون أموالا هي سبب في مصائب تعتريهم في ذواتهم وأموالهم كالنار إذا تدنو من أحد فتؤلمه وتتلف متاعه ، فيكون هذا تهديدا بمصائب في الدنيا على نحو قوله تعالى : يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا [ البقرة : 276 ] ويكون عطف جملة وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً جاريا على ظاهر العطف من اقتضاء المغايرة بين المتعاطفين ، فالجملة الأولى تهديد بعذاب في الدنيا ، والجملة الثانية وعيد بعذاب الآخرة . وذكر فِي بُطُونِهِمْ على كلا المعنيين مجرّد تخييل وترشيح لاستعارة يَأْكُلُونَ لمعنى يأخذون ويستحوذون . والسين في سَيَصْلَوْنَ حرف تنفيس أي استقبال ، أي أنها تدخل على المضارع فتمحّضه للاستقبال ، سوءا كان استقبالا قريبا أو بعيدا ، وهي مرادفة سوف ، وقيل : إنّ سوف أوسع زمانا . وتفيدان في مقام الوعد تحقيق الوعد وكذلك التوعّد . ويصلون مضارع صلي كرضي إذا قاسى حرّ النار بشدّة ، كما هنا ، يقال : صلى بالنار ، ويكثر حذف حرف الجرّ مع فعل صلي ونصب الاسم بعده على نزع الخافض ، قال حميد بن ثور : لا تصطلي النار إلّا يجمرا أرجا * قد كسّرت من يلنجوج له وقصا وهو الوارد في استعمال القرآن باطراد . وقرأ الجمهور : وسيصلون - بفتح التحتية - مضارع صلي ، وقرأه ابن عامر ، وأبو بكر عن عاصم - بضم التحتية - مضارع أصلاه إذا أحرقه ومبنيا للنائب .