الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

31

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الشرطين يفيد كون الثاني منهما في الذكر هو الأوّل في الحصول . ونسبه الزجّاجي في كتاب « الأذكار » إلى ثعلب ، واختاره ابن مالك وقال به من الشافعية : البغوي ، والغزالي في الوسيط ، ومن العلماء من زعم أنّ ترتيب الشرطين في الحصول يكون على نحو ترتيبهما في اللفظ ، ونسبه الشافعية إلى القفّال ، والقاضي الحسين ، والغزالي في « الوجيز » ، والإمام الرازي في « النهاية » ، وبنوا على ذلك فروعا في تعليق الشرط على الشرط في الإيمان ، وتعليق الطلاق والعتاق ، وقال إمام الحرمين : لا معنى لاعتبار الترتيب ، وهو الحقّ ، فإنّ المقصود حصولها بقطع النظر عن التقدّم والتأخّر ، ولا يظهر أثر للخلاف في الإخبار وإنشاء الأحكام ، كما هنا ، وإنّما قد يظهر له أثر في إنشاء التعاليق في الأيمان ، وأيمان الطلاق والعتاق ، وقد علمت أنّ المالكية لا يرون لذلك تأثيرا . وهو الصواب . واعلم أنّ هذا إذا قامت القرينة على أنّ المراد جعل الشرطين شرطا في الجواب ، وذلك إذا تجرّد عن العطف بالواو ولو تقديرا ، فلذلك يتعيّن جعل جملة الشرط الثاني وجوابه جوابا للشرط الأول ، سواء ارتبطت بالفاء - كما في هذه الآية - أم لم ترتبط ، كما في قوله : وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ [ هود : 34 ] . وأمّا إذا كان الشرطان على اعتبار الترتيب فلكلّ منهما جواب مستقلّ نحو قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ إلى قوله : وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها [ الأحزاب : 50 ] . فقوله : إِنْ وَهَبَتْ شرط في إحلال امرأة مؤمنة له ، وقوله : إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ شرط في انعقاد النكاح ، لئلّا يتوهّم أنّ هبة المرأة نفسها للنبي تعيّن عليه تزوّجها ، فتقدير جوابه : إن أراد فله ذلك ، وليسا شرطين للإحلال لظهور أنّ إحلال المرأة لا سبب له في هذه الحالة إلّا أنّها وهبت نفسها . وفي كلتا حالتي الشرط الوارد على شرط يجعل جواب أحدهما محذوفا دلّ عليه المذكور ، أو جواب أحدهما جوابا للآخر : على الخلاف بين الجمهور والأخفش ، إذ ليس ذلك من تعدّد الشروط وإنّما يتأتّى ذلك في نحو قولك : « إن دخلت دار أبي سفيان ، وإن دخلت المسجد الحرام ، فأنت آمن » وفي نحو قولك : « إن صليت إن صمت أثبت » من كلّ تركيب لا تظهر فيه ملازمة بين الشرطين ، حتّى يصير أحدهما شرطا في الآخر . هذا تحقيق هذه المسألة الذي أطال فيه كثير وخصّها تقيّ الدين السبكي برسالة وهي مسألة سأل عنها القاضي ابن خلكان الشيخ ابن الحاجب كما أشار إليه في ترجمته من كتاب « الوفيات » ، ولم يفصّلها ، وفصّلها ، الدماميني في « حاشية مغني اللبيب » .