الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
298
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ومحمد ، والنصارى يقولون : نؤمن باللّه وبموسى وعيسى ونكفر بمحمد ، فآمنوا باللّه وبعض رسله ظاهرا وفرّقوا بينه وبين بعض رسله . والإرادة في قوله وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا إرادة حقيقية . والسبيل يحتمل أن يراد به سبيل النجاة من المؤاخذة في الآخرة توهّما أنّ تلك حيلة تحقّق لهم السلامة على تقدير سلامة المؤمنين ، أو سبيل التنصّل من الكفر ببعض الرسل ، أو سبيلا بين دينين ، وهذان الوجهان الأخيران يناسبان انتقالهم من الكفر الظاهر إلى النفاق ، فكأنّهما تهيئة للنفاق . وهذا التفسير جار على ظاهر نظم الكلام ، وهو أن يكون حرف العطف مشرّكا بين المتعاطفات في حكم المعطوف عليه ، وإذ قد كان المعطوف عليه الأول صلة للذين ، كان ما عطف عليه صلات لذلك الموصول وكان ذلك الموصول صاحب تلك الصّلات كلّها . ونسب إلى بعض المفسّرين أنّه جعل الواوات فيها بمعنى ( أو ) وجعل الموصول شاملا لفرق من الكفّار تعدّدت أحوال كفرهم على توزيع الصّلات المتعاطفة ، فجعل المراد بالذين يكفرون باللّه ورسله المشركين ، والذين يريدون أن يفرّقوا بين اللّه ورسله قوما أثبتوا الخالق وأنكروا النبوءات كلّها ، والذين يقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض اليهود والنصارى . وسكت عن المراد من قوله : وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا ، ولو شاء لجعل أولئك فريقا آخر : وهم المنافقون المتردّدون الذين لم يثبتوا على إيمان ولا على كفر ، بل كانوا بين الحالين ، كما قال تعالى : مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ [ النساء : 143 ] . والذي دعاه إلى هذا التأويل أنّه لم يجد فريقا جمع هذه الأحوال كلّها على ظاهرها لأنّ اليهود لم يكفروا باللّه ورسله ، وقد علمت أنّ تأويل الكفر باللّه الكفر بالصفات التي يستلزم الكفر بها نفي الإلهية . وهذا الأسلوب نادر الاستعمال في فصيح الكلام ، إذ لو أريد ذلك لكان الشأن أن يقال : والذين يريدون أن يفرّقوا بين اللّه ورسله والذين يقولون : نؤمن ببعض ونكفر ببعض ، كما قال : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا [ الأنفال : 72 ] . وقوله : أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا الجملة خبر إنّ والإشارة إلى أصحاب تلك الصلة الماضية ، وموقع الإشارة هنا لقصد التنبيه على أنّ المشار إليهم لاستحضارهم بتلك