الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

295

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ورخّص اللّه للمظلوم الجهر بالقول السيّئ ليشفي غضبه ، حتّى لا يثوب إلى السيف أو إلى البطش باليد ، ففي هذا الإذن توسعة على من لا يمسك نفسه عند لحاق الظلم به ، والمقصود من هذا هو الاحتراس في حكم لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ . وقد دلّت الآية على الإذن للمظلوم في جميع أنواع الجهر بالسوء من القول ، وهو مخصوص بما لا يتجاوز حدّ التظلّم فيما بينه وبين ظالمه ، أو شكاية ظلمه : أن يقول له : ظلمتني ، أو أنت ظالم ؛ وأن يقول للناس : إنّه ظالم . ومن ذلك الدعاء على الظالم جهرا لأنّ الدعاء عليه إعلان بظلمه وإحالته على عدل اللّه تعالى ، ونظير هذا المعنى كثير في القرآن ، وذلك مخصوص بما لا يؤدّي إلى القذف ، فإنّ دلائل النهي عن القذف وصيانة النفس من أن تتعرّض لحدّ القذف أو تعزيز الغيبة ، قائمة في الشريعة . فهذا الاستثناء مفيد إباحة الجهر بالسوء من القول من جانب المظلوم في جانب ظالمه ؛ ومنه ما في الحديث « مطل الغنيّ ظلم » أي فللممطول أن يقول : فلان مماطل وظالم . وفي الحديث « ليّ الواجد يحلّ عرضه وعقوبته » . وجملة وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً عطف على لا يُحِبُّ ، والمقصود أنّه عليم بالأقوال الصادرة كلّها ، عليم بالمقاصد والأمور كلّها ، فذكر « عليما » بعد « سميعا » لقصد التعميم في العلم ، تحذيرا من أن يظنّوا أنّ اللّه غير عالم ببعض ما يصدر منهم . وبعد أن نهى ورخّص ، ندب المرخّص لهم إلى العفو وقول الخير ، فقال : إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً ، فإبداء الخير إظهاره . وعطف عليه أَوْ تُخْفُوهُ لزيادة الترغيب أن لا يظنّوا أنّ الثواب على إبداء الخير خاصّة ، كقوله : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [ البقرة : 271 ] . والعفو عن السوء بالصفح وترك المجازاة ، فهو أمر عدميّ . وجملة فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً دليل جواب الشرط ، وهو علّة له ، وتقدير الجواب : يعف عنكم عند القدرة عليكم ، كما أنّكم فعلتم الخير جهرا وخفية وعفوتم عند المقدرة على الأخذ بحقّكم ، لأنّ المأذون فيه شرعا يعتبر مقدورا للمأذون ، فجواب الشرط وعد بالمغفرة لهم في بعض ما يقترفونه جزاء عن فعل الخير وعن العفو عمّن اقترف ذنبا ؛ فذكر إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ تكملة لما اقتضاه قوله : لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ استكمالا لموجبات العفو عن السيّئات ، كما أفصح عنه قوله صلى اللّه عليه وسلم : وأتبع السيّئة الحسنة تمحها .