الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
292
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وجملة إِنَّ الْمُنافِقِينَ مستأنفة استئنافا بيانيا ، ثانيا إذ هي عود إلى أحوال المنافقين . وتأكيد الخبر ب ( إنّ ) لإفادة أنّه لا محيص لهم عنه . والدّرك : اسم جمع دركة ، ضدّ الدّرج اسم جمع درجة . والدركة المنزلة في الهبوط . فالشيء الذي يقصد أسفله تكون منازل التدليّ إليه دركات ، والشيء الذي يقصد أعلاه تكون منازل الرقيّ إليه درجات ، وقد يطلق الاسمان على المنزلة الواحدة باختلاف الاعتبار وإنّما كان المنافقون في الدرك الأسفل ، أي في أذلّ منازل العذاب ، لأنّ كفرهم أسوأ الكفر لما حفّ به من الرذائل . وقرأ الجمهور : فِي الدَّرْكِ - بفتح الراء - على أنّه اسم جمع دركة ضدّ الدرجة . وقرأه عاصم . وحمزة ، والكسائي ، وخلف - بسكون الراء - وهما لغتان وفتح الراء هو الأصل ، وهو أشهر . والخطاب في وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً لكلّ من يصحّ منه سماع الخطاب ، وهو تأكيد للوعيد ، وقطع لرجائهم ، لأنّ العرب ألفوا الشفاعات والنجدات في المضائق . فلذلك كثر في القرآن تذييل الوعيد بقطع الطمع في النصير والفداء ونحوهما . واستثنى من هذا الوعيد من آمن من المنافقين ، وأصلح حاله ، واعتصم باللّه دون الاعتزاز بالكافرين ، وأخلص دينه للّه ، فلم يشبه بتردّد ولا تربّص بانتظار من ينتصر من الفريقين : المؤمنين والكافرين ، فأخبر أنّ من صارت حاله إلى هذا الخير فهو مع المؤمنين ، وفي لفظ ( مع ) إيماء إلى فضيلة من آمن من أوّل الأمر ولم يصم نفسه بالنفاق لأنّ ( مع ) تدخل على المتبوع وهو الأفضل . وجيء باسم الإشارة في قوله : فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ لزيادة تمييز هؤلاء الذين تابوا ، وللتنبيه على أنّهم أحرياء بما سيرد بعد اسم الإشارة . وقد علم الناس ما أعدّ اللّه للمؤمنين بما تكرّر في القرآن ، ولكن زاده هنا تأكيدا بقوله : وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً . وحرف التنفيس هنا دلّ على أنّ المراد من الأجر أجر الدنيا وهو النصر وحسن العاقبة وأجر الآخرة ، إذ الكلّ مستقبل ، وأن ليس المراد منه الثواب لأنّه حصل من قبل .