الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
283
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أتاني من أبي أنس وعيد * فسلى لغيظة الضّحّاك جسمي وقول النابغة : فإنّك سوف تحلم أو تناهى * إذا ما شبت أو شاب الغراب وقول ابن زيّابة : نبّئت عمرا غارزا رأسه * في سنة يوعد أخواله وتلك منه غير مأمونة * أن يفعل الشيء إذا قاله ومجيء صفتهم بطريقة الموصول لإفادة تعليل استحقاقهم العذاب الأليم ، أي لأنّهم اتّخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، أي اتّخذوهم أولياء لأجل مضادّة المؤمنين . والمراد بالكافرين مشركو مكة ، أو أحبار اليهود ، لأنّه لم يبق بالمدينة مشركون صرحاء في وقت نزول هذه السورة ، فليس إلّا منافقون ويهود . وجملة أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ استئناف بياني باعتبار المعطوف وهو فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ وقوله : أَ يَبْتَغُونَ هو منشأ الاستئناف ، وفي ذلك إيماء إلى أن المنافقين لم تكن موالاتهم للمشركين لأجل المماثلة في الدين والعقيدة ، لأنّ معظم المنافقين من اليهود ، بل اتّخذوهم ليعتزّوا بهم على المؤمنين ، وإيماء إلى أنّ المنافقين شعروا بالضعف فطلبوا الاعتزاز ، وفي ذلك نهاية التجهيل والذمّ . والاستفهام إنكار وتوبيخ ، ولذلك صحّ التفريع عنه بقوله : فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً أي لا عزّة إلّا به ، لأنّ الاعتزاز بغيره باطل . كما قيل : من اعتزّ بغير اللّه هان . وإن كان المراد بالكافرين اليهود فالاستفهام تهكّم بالفريقين كقول المثل : كالمستغيث من الرمضاء بالنار . وهذا الكلام يفيد التحذير من مخالطتهم بطريق الكناية . وجملة وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ إلخ يجوز أن تكون معطوفة على جملة بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ تذكيرا للمسلمين بما كانوا أعلموا به ممّا يؤكّد التحذير من مخالطتهم ، فضمير الخطاب موجّه إلى المؤمنين ، وضمائر الغيبة إلى المنافقين ، ويجوز أن تكون في موضع الحال من ضمير ( يتّخذون ) ، فيكون ضمير الخطاب في قوله : وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ خطابا لأصحاب الصلة من قوله : الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ [ النساء : 139 ] على طريقة الالتفات ، كأنّهم بعد أن أجريت عليهم الصلة صاروا معيّنين معروفين ، فالتفت إليهم بالخطاب ، لأنّهم يعرفون أنّهم أصحاب تلك الصلة ، فلعلّهم أن يقلعوا عن موالاة الكافرين . وعليه فضمير الخطاب للمنافقين ، وضمائر الغيبة للكافرين ، والذي نزّل في الكتاب هو آيات نزلت قبل نزول هذه السورة في القرآن : في شأن كفر الكافرين والمنافقين