الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

273

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

للموصوف ، أن يكون الموصوف بكلمة آخر بعضا من جنس ما عطف هو عليه باعتبار ما جعله المتكلّم جنسا في كلامه ، بالتصريح أو التقدير . وقد ذهب بعض علماء اللغة إلى لزوم ذلك ، واحتفل بهذه المسألة الحريري في « درّة الغوّاص » . وحاصلها : أنّ الأخفش الصغير ، والحريري ، والرضيّ ، وابن يسعون ، والصقلي ، وأبا حيان ، ذهبوا إلى اشتراط اتّحاد جنس الموصوف بكلمة آخر وما تصرّف منها مع جنس ما عطف هو عليه ، فلا يجوز عندهم أن تقول : ركبت فرسا وحمارا آخر ، ومثّلوا لما استكمل الشرط بقوله تعالى : أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ [ البقرة : 184 ] ثم قال : فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [ البقرة : 185 ] وبقوله : أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى [ النجم : 19 ، 20 ] فوصف مناة بالأخرى لأنّها من جنس اللات والعزّى في أنّها صنم ، قالوا : ومثل كلمة آخر في هذا كلمات : سائر ، وبقية ، وبعض ، فلا تقول : أكرمت رجلا وتركت سائر النساء . ولقد غلا بعض هؤلاء النحاة فاشترطوا الاتحاد بين الموصوف بآخر وبين ما عطف هو عليه حتّى في الإفراد وضدّه . قاله ابن يسعون والصقلي ، وردّه ابن هشام في « التذكرة » محتجّا بقول ربيعة بن مكدم : ولقد شفعتهما بآخر ثالث * وأبى الفرار لي الغداة تكرمي وبقول أبي حيّة النميري : وكنت أمشي على رجلين معتدلا * فصرت أمشي على أخرى من الشّجر وقال قوم بلزوم الاتّحاد في التذكير وضدّه ، واختاره ابن جنّي ، وخالفهم المبرّد ، واحتجّ المبرّد بقول عنترة : والخيل تقتحم الغبار عوابسا * من بين شيظمة وآخر شيظم وذهب الزمخشري وابن عطية إلى عدم اشتراط اتّحاد الموصوف بآخر مع ما عطف هو عليه ، ولذلك جوزا في هذه الآية أن يكون المعنى : ويأت بخلق آخرين غير الإنس . واتّفقوا على أنّه لا يجوز أن يوصف بكلمة آخر موصوف لم يتقدّمه ذكر مقابل له أصلا ، فلا تقول : جاءني آخر ، من غير أن تتكلّم بشيء قبل ، لأنّ معنى آخر معنى مغاير في الذات مجانس في الوصف . وأمّا قول كثير : صلّى على عزّة الرحمن وابنتها * لبنى وصلّى على جاراتها الأخر فمحمول على أنّه جعل ابنتها جارة ، أو أنّه أراد : صلى على حبائبي : عزّة وابنتها وجاراتها حبائبي الأخر .