الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

271

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا [ النساء : 128 ] وقوله : وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا [ النساء : 129 ] وبين جملة وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الآية . فهذه الجملة تضمّنت تذييلات لتلك الجمل السابقة ، وهي مع ذلك تمهيد لما سيذكر بعدها من قوله : وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إلخ لأنها دليل لوجوب تقوى اللّه . والمناسبة بين هذه الجملة والتي سبقتها : وهي جملة يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ [ النساء : 130 ] أنّ الذي له ما في السماوات وما في الأرض قادر على أن يغني كلّ أحد من سعته . وهذا تمجيد للّه تعالى ، وتذكير بأنّه ربّ العالمين ، وكناية عن عظيم سلطانه واستحقاقه للتقوى . وجملة وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ عطف على جملة إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [ النساء : 116 ] . وجعل الأمر بالتقوى وصية : لأنّ الوصية قول فيه أمر بشيء نافع جامع لخير كثير ، فلذلك كان الشأن في الوصية إيجاز القول لأنّها يقصد منها وعي السامع ، واستحضاره كلمة الوصية في سائر أحواله . والتقوى تجمع الخيرات ، لأنّها امتثال الأوامر واجتناب المناهي ، ولذلك قالوا : ما تكرّر لفظ في القرآن ما تكرّر لفظ التقوى ، يعنون غير الأعلام ، كاسم الجلالة . وفي الحديث عن العرباض بن سارية : وعظنا رسول اللّه موعظة وجلت منها القلوب ، وذرفت منها العيون ، فقلنا يا رسول اللّه : كأنّها موعظة مودّع فأوصنا ، قال : « أوصيكم بتقوى اللّه عزّ وجلّ والسمع والطاعة » . فذكر التقوى في أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ إلخ تفسير لجملة وَصَّيْنَا ، فإن فيه تفسيرية . والإخبار بأنّ اللّه أوصى الذين أوتوا الكتاب من قبل بالتقوى مقصود منه إلهاب همم المسلمين للتهمّم بتقوى اللّه لئلّا تفضلهم الأمم الذين من قبلهم من أهل الكتاب ، فإنّ للائتساء أثرا بالغا في النفوس ، كما قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [ البقرة : 183 ] ، والمراد بالذين أوتوا الكتاب اليهود والنصارى ، فالتعريف في الكتاب تعريف الجنس فيصدق بالمتعدّد . والتقوى المأمور بها هنا منظور فيها إلى أساسها وهو الإيمان باللّه ورسله ولذلك قوبلت بجملة وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ . وبيّن بها عدم حاجته تعالى إلى تقوى الناس ، ولكنّها لصلاح أنفسهم ، كما قال إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ [ الزمر : 7 ] . فقوله : فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ كناية عن عدم التضرّر بعصيان من يعصونه ، ولذلك جعلها