الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
259
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
خلق اللّه إنّما يكون إنما إذا كان فيه حظّ من طاعة الشيطان ، بأن يجعل علامة لنحلة شيطانيّة ، كما هو سياق الآية واتّصال الحديث بها . وقد أوضحنا ذلك في كتابي المسمّى : « النظر الفسيح على مشكل الجامع الصحيح » . وجملة وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً تذييل دالّ على أنّ ما دعاهم إليه الشيطان : من تبتيك آذان الأنعام ، وتغيير خلق اللّه ، إنّما دعاهم إليه لما يقتضيه من الدلالة على استشعارهم بشعاره ، والتديّن بدعوته ، وإلّا فإنّ الشيطان لا ينفعه أن يبتّك أحد أذن ناقته ، أو أن يغيّر شيئا من خلقته ، إلّا إذا كان ذلك للتأثّر بدعوته . وقوله : يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ استئناف لبيان أنّه أنجز عزمه فوعد ومنّى وهو لا يزال يعد ويمنّي ، فلذلك جيء بالمضارع . وإنّما لم يذكر أنّه يأمرهم فيبتّكون آذان الأنعام ويغيّرون خلق اللّه لظهور وقوعه لكلّ أحد . وجيء باسم الإشارة في قوله : أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ لتنبيه السامعين إلى ما يرد بعد اسم الإشارة من الخبر وأنّ المشار إليهم أحرياء به عقب ما تقدّم من ذكر صفاتهم . والمحيص : المراغ والملجأ ، من حاص إذا نفر وراغ ، وفي حديث هرقل « فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب » . وقال جعفر بن علبة الحارثي : ولم ندر إن حصنا من الموت حيصة * كم العمر باق والمدى متطاول روي : حصنا وحيصة - بالحاء والصاد المهملتين - ويقال : جاض أيضا - بالجيم والضاد المعجمة - ، وبهما روي بيت جعفر أيضا . [ 122 ] [ سورة النساء ( 4 ) : آية 122 ] وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً ( 122 ) عطف على جملة أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ [ النساء : 121 ] جريا على عادة القرآن في تعقيب الإنذار بالبشارة ، والوعيد بالوعد . وقوله : وَعْدَ اللَّهِ مصدر مؤكّد لمضمون جملة : سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي إلخ ، وهي بمعناه ، فلذلك يسمّي النحاة مثله مؤكّدا لنفسه ، أي مؤكّدا لما هو بمعناه . وقوله : حَقًّا مصدر مؤكّد لمضمون سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ ، إذ كان هذا في معنى الوعد ، أي هذا الوعد أحقّقه حقّا ، أي لا يتخلّف . ولمّا كان مضمون الجملة التي قبله