الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

245

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ 104 ] [ سورة النساء ( 4 ) : آية 104 ] وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 104 ) عطف على جملة وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً [ النساء : 102 ] زيادة في تشجيعهم على قتال الأعداء ، وفي تهوين الأعداء في قلوب المسلمين ، لأنّ المشركين كانوا أكثر عددا من المسلمين وأتمّ عدّة ، وما كان شرع قصر الصلاة وأحوال صلاة الخوف ، إلّا تحقيقا لنفي الوهن في الجهاد . والابتغاء مصدر ابتغى بمعنى بغي المتعدّي ، أي الطلب ، وقد تقدّم عند قوله : أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ في سورة آل عمران [ 83 ] . والمراد به هنا المبادأة بالغزو ، وأن لا يتقاعسوا ، حتّى يكون المشركون هم المبتدئين بالغزو . تقول العرب : طلبنا بني فلان ، أي غزوناهم . والمبادئ بالغزو له رعب في قلوب أعدائه . وزادهم تشجيعا على طلب العدوّ بأنّ تألّم الفريقين المتحاربين واحد ، إذ كل يخشى بأس الآخر ، وبأنّ للمؤمنين مزية على الكافرين ، وهي أنّهم يرجون من اللّه ما لا يرجوه الكفّار ، وذلك رجاء الشهادة إن قتلوا ، ورجاء ظهور دينه على أيديهم إذا انتصروا ، ورجاء الثواب في الأحوال كلّها . وقوله : مِنَ اللَّهِ متعلّق ب تَرْجُونَ . وحذف العائد المجرور بمن من جملة ما لا يَرْجُونَ لدلالة حرف الجرّ الذي جرّ به اسم الموصول عليه ، ولك أن تجعل ما صدق ما لا يَرْجُونَ هو النصر ، فيكون وعدا للمسلمين بأنّ اللّه ناصرهم ، وبشارة بأنّ المشركين لا يرجون لأنفسهم نصرا ، وأنّهم آيسون منه بما قذف اللّه في قلوبهم من الرعب ، وهذا ممّا يفتّ في ساعدهم . وعلى هذا الوجه يكون قوله : مِنَ اللَّهِ اعتراضا أو حالا مقدّمة على المجرور بالحرف ، والمعنى على هذا كقوله : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ [ محمد : 11 ] . [ 105 - 109 ] [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 105 إلى 109 ] إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً ( 105 ) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ( 106 ) وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً ( 107 ) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً ( 108 ) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً ( 109 )