الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
235
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ولعلّ في القرآن لليقين ، ومرادهم إذا أسند إلى اللّه تعالى بخلاف نحو قوله : وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً [ الكهف : 24 ] . ومثل هذا ما قالوه في وقوع حرف ( إن ) الشرطية في كلام اللّه تعالى ، مع أنّ أصلها أن تكون للشرط المشكوك في حصوله . وقد اتّفق العلماء على أنّ حكم هذه الآية انقضى يوم فتح مكة لأنّ الهجرة كانت واجبة لمفارقة أهل الشرك وأعداء الدين ، وللتمكّن من عبادة اللّه دون حائل يحول عن ذلك ، فلمّا صارت مكة دار إسلام ساوت غيرها ، ويؤيّده حديث : « لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونيّة » فكان المؤمنون يبقون في أوطانهم إلّا المهاجرين يحرم عليهم الرجوع إلى مكة . وفي الحديث : « اللهمّ امض لأصحابي هجرتهم ولا تردّهم على أعقابهم » قاله بعد أن فتحت مكة . غير أنّ القياس على حكم هذه الآية يفتح للمجتهدين نظرا في أحكام وجوب الخروج من البلد الذي يفتن فيه المؤمن في دينه ، وهذه أحكام يجمعها ستّة أحوال : الحالة الأولى : أن يكون المؤمن ببلد يفتن فيه في إيمانه فيرغم على الكفر وهو يستطيع الخروج ، فهذا حكمه حكم الذين نزلت فيهم الآية ، وقد هاجر مسلمون من الأندلس حين أكرههم النصارى على التنصّر ، فخرجوا على وجوههم في كلّ واد تاركين أموالهم وديارهم ناجين بأنفسهم وإيمانهم ، وهلك فريق منهم في الطريق وذلك في سنة 902 وما بعدها إلى أن كان الجلاء الأخير سنة 1016 . الحالة الثانية : أن يكون ببلد الكفر غير مفتون في إيمانه ولكن يكون عرضة للإصابة في نفسه أو ماله بأسر أو قتل أو مصادرة مال ، فهذا قد عرض نفسه للضرّ وهو حرام بلا نزاع ، وهذا مسمّى الإقامة ببلد الحرب المفسّرة بأرض العدوّ . الحالة الثالثة : أن يكون ببلد غلب عليه غير المسلمين إلّا أنّهم لم يفتنوا الناس في إيمانهم ولا في عباداتهم ولا في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم ، ولكنّه بإقامته تجري عليه أحكام غير المسلمين إذا عرض له حادث مع واحد من أهل ذلك البلد الذين هم غير مسلمين ، وهذا مثل الذي يقيم اليوم ببلاد أوروبا النصرانية ، وظاهر قول مالك أنّ المقام في مثل ذلك مكروه كراهة شديدة من أجل أنّه تجري عليه أحكام غير المسلمين ، وهو ظاهر المدوّنة في كتاب التجارة إلى أرض الحرب والعتبية ، كذلك تأوّل قول مالك فقهاء القيروان ، وهو ظاهر الرسالة ، وصريح كلام اللخمي في طالعة كتاب التجارة إلى أرض