الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
23
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
إليها القرآن في قوله : مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ [ النساء : 25 ] ودون ذلك البغاء وهو الزنا بالإماء بأجور معيّنة ، وهو الذي ذكر اللّه النهي عنه بقوله : وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا [ النور : 33 ] وهنالك معاشرات أخرى ، مثل الضماد وهو أن تتّخذ ذات الزوج رجلا خليلا لها في سنة القحط لينفق عليها مع نفقة زوجها . فلأجل ذلك سمّى اللّه الصداق نحلة ، فأبعد الذين فسّروها بلازم معناها فجعلوها كناية عن طيب نفس الأزواج أو الأولياء بإيتاء الصدقات ، والذين فسروها بأنّها عطية من اللّه للنساء فرضها لهنّ ، والذين فسّروها بمعنى الشرع الذي ينتحل أي يتّبع . وقوله : فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً الآية أي فإن طابت أنفسهنّ لكم بشيء منه أي المذكور . وأفرد ضمير « منه » لتأويله بالمذكور حملا على اسم الإشارة كما قال رؤبة : فيها خطوط من سواد وبلق * كأنّه في الجلد توليع البهق فقال له أبو عبيدة : إمّا أن تقول : كأنّها إن أردت الخطوط ، وإما أن تقول : كأنّهما إن أردت السواد والبلق فقال : أردت كأنّ ذلك ، ويلك ! ! أي أجرى الضمير كما يجرى اسم الإشارة . وقد تقدّم عند قوله تعالى : عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ في سورة البقرة [ 68 ] . وسيأتي الكلام على ضمير ( مِثْلَهُ ) عند قوله تعالى : وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ في سورة العقود [ 36 ] . وجيء بلفظ نَفْساً مفردا مع أنّه تمييز نسبة طِبْنَ إلى ضمير جماعة النساء لأنّ التمييز اسم جنس نكرة يستوي فيه المفرد والجمع . وأسند الطيب إلى ذوات النساء ابتداء ثم جيء بالتمييز للدلالة على قوّة هذا الطيب على ما هو مقرّر في علم المعاني : من الفرق بين واشتعل الرأس شيبا وبين اشتعل شيب رأسي ، ليعلم أنه طيب نفس لا يشوبه شيء من الضغط والإلجاء . وحقيقة فعل ( طابَ ) اتّصاف الشيء بالملاءمة للنفس ، وأصله طيب الرائحة لحسن مشمومها ، وطيب الريح موافقتها للسائر في البحر : وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [ يونس : 22 ] ، ومنه أيضا ما ترضى به النفس كما تقدّم في قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً [ البقرة : 168 ] ثم استعير لما يزكو بين جنسه كقوله : وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ [ النساء : 2 ] ومنه فعل طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً هنا أي رضين