الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

226

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وخلف : فتثبتوا - بفاء فوقية فمثلّثة فموحّدة ففوقيّة - بمعنى اطلبوا الثابت ، أي الذي لا يتبدّل ولا يحتمل نقيض ما بدا لكم . وقوله : وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً قرأ نافع ، وابن عامر ، وحمزة ، وخلف « السّلم » - بدون ألف بعد اللام - وهو ضدّ الحرب ، ومعنى ألقى السلم أظهره بينكم كأنّه رماه بينهم ، وقرأ البقية « السّلام » - بالألف - وهو مشترك بين معنى السلم ضدّ الحرب ، ومعنى تحية الإسلام ، فهي قول : السلام عليكم ، أي من خاطبكم بتحية الإسلام علامة على أنّه مسلم . وجملة لَسْتَ مُؤْمِناً مقول لا تَقُولُوا . وقرأ الجمهور : مُؤْمِناً - بكسر الميم الثانية - بصيغة اسم الفاعل ، أي لا تنفوا عنه الإيمان وهو يظهره لكم ، وقرأه ابن وردان عن أبي جعفر - بفتح الميم الثانية - بصيغة اسم المفعول ، أي لا تقولوا له لست محصّلا تأميننا إياك ، أي إنّك مقتولا أو مأسور . و عَرَضَ الْحَياةِ : متاح الحياة ، والمراد به الغنيمة فعبّر عنها ب عَرَضَ الْحَياةِ تحقيرا لها بأنّها نفع عارض زائل . وجملة تَبْتَغُونَ حالية ، أي ناقشتموه في إيمانه خشية أن يكون قصد إحراز ماله ، فكان عدم تصديقه آئلا إلى ابتغاء غنيمة ماله ، فأوخذوا بالمآل . فالمقصود من هذا القيد زيادة التوبيخ ، مع العلم بأنّه لو قال لمن أظهر الإسلام : لست مؤمنا ، وقتله غير آخذ منه مالا لكان حكمه أولى ممّن قصد أخذ الغنيمة ، والقيد ينظر إلى سبب النزول ، والحكم أعمّ من ذلك . وكذلك قوله : فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ أي لم يحصر اللّه مغانمكم في هذه الغنيمة . وزاد في التوبيخ قوله : كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ أي كنتم كفّارا فدخلتم الإسلام بكلمة الإسلام ، فلو أنّ أحدا أبى أن يصدّقكم في إسلامكم أكان يرضيكم ذلك . وهذه تربية عظيمة ، وهي أن يستشعر الإنسان عند مؤاخذته غيره أحوالا كان هو عليها تساوي أحوال من يؤاخذه ، كمؤاخذة المعلّم التلميذ بسوء إذا لم يقصّر في إعمال جهده . وكذلك هي عظيمة لمن يمتحنون طلبة العلم فيعتادون التشديد عليهم وتطلّب عثراتهم ، وكذلك ولاة الأمور وكبار الموظّفين في معاملة من لنظرهم من صغار الموظّفين ، وكذلك الآباء مع أبنائهم إذا بلغت بهم الحماقة أن ينتهروهم على اللعب المعتاد أو على الضجر من الآلام . وقد دلّت الآية على حكمة عظيمة في حفظ الجامعة الدينية ، وهي بثّ الثقة والأمان بين أفراد الأمّة ، وطرح ما من شأنه إدخال الشكّ لأنّه إذا فتح هذا الباب عسر سدّه ، وكما