الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

209

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

استئناف ابتدائي ، جمع تمجيد اللّه ، وتهديدا ، وتحذيرا من مخالف أمره ، وتقريرا للإيمان بيوم البعث ، وردّا لإشراك بعض المنافقين وإنكارهم البعث . فاسم الجلالة مبتدأ . وجملة لا إِلهَ إِلَّا هُوَ معترضة بين المبتدأ وخبره لتمجيد اللّه . وجملة لَيَجْمَعَنَّكُمْ جواب قسم محذوف واقع جميعه موقع الخبر عن اسم الجلالة . وأكّد هذا الخبر : بلام القسم ، ونون التوكيد ، وبتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي ، لتقوية تحقيق هذا الخبر . إبطالا لإنكار الذين أنكروا البعث . ومعنى لا رَيْبَ فِيهِ نفي أن يتطرّقه جنس الريب والشكّ أي في مجيئه ، والمقصود لا ريب حقيقيا فيه ، أو أنّ ارتياب المرتابين لوهنه نزّل منزلة الجنس المعدوم . والاستفهام عن أن يكون أحد أصدق من اللّه هو استفهام إنكاري . و « حديثا » تمييز لنسبة فعل التفضيل . [ 88 ] [ سورة النساء ( 4 ) : آية 88 ] فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ( 88 ) تفريع عن أخبار المنافقين التي تقدّمت ، لأنّ ما وصف من أحوالهم لا يترك شكا عند المؤمنين في حيث طويتهم وكفرهم ، أو هو تفريع عن قوله : وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً [ النساء : 87 ] . وإذ قد حدّث اللّه عنهم بما وصف من سابق الآي ، فلا يحقّ التردّد في سوء نواياهم وكفرهم ، فموقع الفاء هنا نظير موقع الفاء في قوله : فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ في سورة النساء [ 84 ] . والاستفهام للتعجيب واللّوم . والتعريف في الْمُنافِقِينَ للعهد ، و فِئَتَيْنِ حال من الضمير المجرور باللام فهي قيد لعامله ، الذي هو التوبيخ ، فعلم أنّ محلّ التوبيخ هو الانقسام : فِي الْمُنافِقِينَ متعلّق بفئتين لتأويله بمعنى « منقسمين » ، ومعناه : في شأن المنافقين ، لأنّ الحكم لا يتعلّق بذوات المنافقين . والفئة : الطائفة . وزنها فلة ، مشتقّة من الفيء وهو الرجوع ، لأنّهم يرجع بعضهم إلى بعض في شؤونهم . وأصلها فيء ، فحذفوا الياء من وسطه لكثرة الاستعمال وعوّضوا عنها الهاء .