الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

205

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ 85 ] [ سورة النساء ( 4 ) : آية 85 ] مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً ( 85 ) استئناف فيه معنى التذييل والتعليل لقوله : لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ [ النساء : 84 ] وهو بشارة للرسول - عليه الصلاة والسلام - بأن جهاد المجاهدين بدعوته يناله منه نصيب عظيم من الأجر ، فإنّ تحريضه إيّاهم وساطة بهم في خيرات عظيمة ، فجاءت هذه الآية بهذا الحكم العامّ على عادة القرآن في انتهاز فرص الإرشاد . ويعلم من عمومها أنّ التحريض على القتال في سبيل اللّه من الشفاعة الحسنة ، وأنّ سعي المثبطين للناس من قبيل الشفاعة السيّئة ، فجاءت هذه الآية إيذانا للفريقين بحالتهما . والمقصود مع ذلك الترغيب في التوسّط في الخير والترهيب من ضدّه . والشفاعة : الوساطة في إيصال خير أو دفع شرّ ، سواء كانت بطلب من المنتفع أم لا ، وتقدّمت في قوله تعالى : وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ في سورة البقرة [ 48 ] ، وفي الحديث « اشفعوا فلتؤجروا » . ووصفها بالحسنة وصف كاشف ؛ لأنّ الشفاعة لا تطلق إلّا على الوساطة في الخير ، وأمّا إطلاق الشفاعة على السعي في جلب شرّ فهو مشاكلة ، وقرينتها وصفها بسيّئة ، إذ لا يقال ( شفع ) للذي سعى بجلب سوء . والنصيب : الحظّ من كلّ شيء : خيرا كان أو شرا ، وتقدّم في قوله تعالى : أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا في سورة البقرة [ 202 ] . والكفل - بكسر الكاف وسكون الفاء - الحظ كذلك ، ولم يتبيّن لي وجه اشتقاقه بوضوح . ويستعمل الكفل بمعنى المثل ، فيؤخذ من التفسيرين أنّ الكفل هو الحظّ المماثل لحظّ آخر ، وقال صاحب « اللسان » : لا يقال هذا كفل فلان حتّى يكون قد هيّئ لغيره مثله ، ولم يعز هذا ، ونسبه الفخر إلى ابن المظفّر ، ولم يذكر ذلك أحد غير هذين فيما علمت ، ولعلّه لا يساعد عليه الاستعمال . وقد قال اللّه تعالى : يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ [ الحديد : 28 ] . وهل يحتجّ بما قاله ابن المظفّر - وابن المظفّر هو محمد بن الحسن بن المظفّر الحاتمي الأديب معاصر المتنبي - . وفي مفردات الراغب أنّ الكفل هو الحظّ من الشرّ والشدّة ، وأنّه مستعار من الكفل وهو الشيء الرديء ، فالجزاء في جانب الشفاعة الحسنة بأنّه نصيب إيماء إلى أنّه قد يكون له أجر أكثر من ثواب من شفع عنده . وجملة وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً تذييل لجملة مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً