الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

202

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

المسلمين من أحوال الأمن أو الخوف ، تحدّثوا بتلك الأخبار في الحالين ، وأرجفوها بين الناس لقصد التثبيط عن الاستعداد ، إذا جاءت أخبار أمن حتّى يؤخذ المؤمنون وهم غارّون ، وقصد التجبين إذا جاءت أخبار الخوف ، واختلاف المعاذير للتهيئة للتخلّف عن الغزو إذا استنفروا إليه ، فحذّر اللّه المؤمنين من مكائد هؤلاء ، ونبّه هؤلاء على دخيلتهم ، وقطع معذرتهم في كيدهم بقوله : وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ إلخ ، أي لولا أنّهم يقصدون السوء لاستثبتوا الخبر من الرسول ومن أهل الرأي . وعلى القول بأنّ الضمير راجع إلى المؤمنين فالآية عتاب للمؤمنين في هذا التسرّع بالإذاعة ، وأمرهم بإنهاء الأخبار إلى الرسول وقادة الصحابة ليضعوه مواضعه ويعلّموهم محامله . وقيل : كان المنافقون يختلقون الأخبار من الأمن أو الخوف ، وهي مخالفة للواقع ، ليظنّ المسلمون الأمن حين الخوف فلا يأخذوا حذرهم ، أو الخوف حين الأمن فتضطرب أمورهم وتختلّ أحوال اجتماعهم ، فكان دهماء المسلمين إذا سمعوا ذلك من المنافقين راج عندهم فأذاعوا به ، فتمّ للمنافقين الدست ، وتمشّت المكيدة ، فلامهم اللّه وعلّمهم أن ينهوا الأمر إلى الرسول وجلّة أصحابه قبل إشاعته ليعلموا كنه الخبر وحاله من الصدق أو الكذب ، ويأخذوا لكلّ حالة حيطتها ، فيسلم المؤمنون من مكر المنافقين الذي قصدوه . وهذا بعيد من قوله : جاءَهُمْ وعلى هذا فقوله : لَعَلِمَهُ هو دليل جواب ( لو ) وعلّته ، فجعل عوضه وحذف المعلول ، إذ المقصود لعلمه الذين يستنبطونه من أولي الأمر فلبيّنوه لهم على وجهه . ويجوز أن يكون المعنى : ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلم ذلك المنافقون الذين اختلقوا الخبر فلخابوا إذ يوقنون بأنّ حيلتهم لم تتمشّ على المسلمين ، فيكون الموصول صادقا على المختلقين بدلالة المقام ، ويكون ضمير مِنْهُمْ الثاني عائدا على المنافقين بقرينة المقام . والردّ حقيقته إرجاع شيء إلى ما كان فيه من مكان أو يد . واستعمل هنا مجازا في إبلاغ الخبر إلى أولى الناس بعلمه . وأولو الأمر هم كبراء المسلمين وأهل الرأي منهم ، فإن كان المتحدّث عنهم المنافقين فوصف أولي الأمر بأنّهم منهم جار على ظاهر الأمر وإرخاء العنان ، أي أولو الأمر الذين يجعلون أنفسهم بعضهم ؛ وإن كان المتحدّث عنهم المؤمنين ، فالتبعيض ظاهر .