الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
199
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أمر قضي بليل ، أي لم يطّلع عليه أحد ، وقال الحارث بن حلّزة : أجمعوا أمرهم بليل فلمّا * أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء وقال أبو سفيان : هذا أمر قضى بليل . وقال تعالى : لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ [ النمل : 49 ] أي : لنقتلنّهم ليلا . وقال : وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ [ النساء : 108 ] . وتاء المضارعة في غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ للمؤنث الغائب ، وهو الطائفة ويجوز أن يراد خطاب النبي صلى اللّه عليه وسلم ، أي غير الذي تقول لهم أنت ، فيجيبون عنه بقولهم : طاعة . ومعنى وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ التهديد بإعلامهم أنّه لن يفلتهم من عقابه ، فلا يغرّنهم تأخّر العذاب مدّة . وقد دلّ بصيغة المضارع في قوله : يَكْتُبُ على تجدّد ذلك ، وأنّه لا يضاع منه شيء . وقوله : فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ أمر بعدم الاكتراث بهم ، وأنّهم لا يخشى خلافهم ، وأنّه يتوكّل على اللّه وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا أي متوكّلا عليه ، ولا يتوكّل على طاعة هؤلاء ولا يحزنه خلافهم . وقرأ الجمهور بَيَّتَ طائِفَةٌ - بإظهار تاء ( بيّت ) من طاء ( طائفة ) - . وقرأه أبو عمرو ، وحمزة ، ويعقوب ، وخلف - بإدغام التاء في الطاء - تخفيفا لقرب مخرجيهما . [ 82 ] [ سورة النساء ( 4 ) : آية 82 ] أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ( 82 ) الفاء تفريع على الكلام السابق المتعلّق بهؤلاء المنافقين أو الكفرة الصرحاء وبتولّيهم المعرض بهم في شأنه بقوله : وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً [ النساء : 80 ] ، وبقولهم طاعَةٌ [ النساء : 81 ] ، ثم تدبير العصيان فيما وعدوا بالطاعة في شأنه . ولمّا كان ذلك كلّه أثرا من آثار استبطان الكفر ، أو الشكّ ، أو اختيار ما هو في نظرهم أولى ممّا أمروا به ، وكان استمرارهم على ذلك ، مع ظهور دلائل الدّين ، منبئا بقلّة تفهّمهم القرآن ، وضعف استفادتهم ، كان المقام لتفريع الاستفهام عن قلّة تفهمهم . فالاستفهام إنكاري للتوبيخ والتعجيب منهم في استمرار جهلهم مع توفّر أسباب التدبير لديهم . تحدّى اللّه تعالى هؤلاء بمعاني القرآن ، كما تحدّاهم بألفاظه ، لبلاغته إذ كان المنافقون قد شكّوا في أنّ القرآن من عند اللّه ، فلذلك يظهرون الطاعة بما يأمرهم به ، فإذا خرجوا من مجلس النبي صلى اللّه عليه وسلم خالفوا ما أمرهم به لعدم ثقتهم ، ويشكّكون ويشكّون إذا بدا لهم شيء من التعارض ، فأمرهم اللّه تعالى بتدبير القرآن كما قال تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي