الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

196

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

سيّئات الإنسان من غير تسبّبه مثل ما أصاب الأمم من خسف وأوبئة ، وذلك نادر بالنسبة لأكثر السيّئات ، على أنّ بعضا منه كان جزاء على سوء فعل ، فلا جرم كان الحظّ الأعظم في إصابة السيّئة الإنسان لتسبّبه مباشرة أو بواسطة ، فصحّ أن يسند تسبّبها إليه ، لأنّ الجزء الذي هو للّه وحده منها هو الأقلّ . وقد فسّر هذا المعنى ما ورد في « الصحيح » ، ففي حديث الترمذي « لا يصيب عبدا نكبة فما فوقها أو ما دونها إلّا بذنب وما يعفو اللّه أكثر » . وشملت الحسنة والسيّئة ما كان من الأعيان ، كالمطر والصواعق ، والثمرة والجراد ، وما كان من الأعراض كالصحّة ، وهبوب الصّبا ، والربح في التجارة . وأضدادها كالمرض ، والسّموم المهلكة ، والخسارة . وفي هذا النوع كان سبب نزول هذه الآية ، ويلحق بذلك ما هو من أفعال العباد كالطاعات النافعة للطائع وغيره ، والمعاصي الضارّة به وبالناس ، وفي هذا الأمر جاء قوله تعالى : قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي [ سبأ : 50 ] وهو على نحو هذه الآية وإن لم تكن نازلة فيه . ولكون هذه القضية دقيقة الفهم نبّه اللّه على قلّة فهمهم للمعاني الخفيّة بقوله : فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ، فقوله : لا يَكادُونَ يجوز أن يكون جاريا على نظائره من اعتبار القلب ، أي يكادون لا يفقهون ، كما تقدّم عند قوله تعالى : فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ [ البقرة : 71 ] فيكون فيه استبقاء عليهم في المذمّة . ويجوز أن يكون على أصل وضع التركيب ، أي لا يقاربون فهم الحديث الذي لا يعقله إلّا الفطناء ، فيكون أشدّ في المذمّة . والفقه فهم ما يحتاج إلى إعمال فكر . قال الراغب : « هو التوصّل إلى علم غائب بعلم شاهد ، وهو أخص من العلم » . وعرفه غيره بأنّه « إدراك الأشياء الخفيّة » . والخطاب في قوله : ما أَصابَكَ خطاب للرسول ، وهذا هو الأليق بتناسق الضمائر ، ثم يعلم أن غيره مثله في ذلك . وقد شاع الاستدلال بهذه الآية على أنّ أفعال العباد مخلوقة للّه تعالى على طريقة الشيخ أبي الحسن الأشعري لقوله : قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، كما شاع استدلال المعتزلة بها على أنّ اللّه لا يخلق المعصية والشرّ لقوله : وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ . وقال أبو الحسن شبيب بن حيدرة المالكي في كتاب « حزّ الغلاصم » : إنّ الاحتجاج بها في كلا الأمرين جهل لابتنائه على توهّم أنّ الحسنة والسيّئة هي الطاعة والمعصية ، وليستا كذلك .