الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

194

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

العندية هنا عندية التأثير التامّ بدليل التسوية في التعبير ، فإذا كان ما جاء من عند اللّه معناه من تقديره وتأثير قدرته ، فكذلك مساويه وهو ما جاء من عند الرسول . وفي « البخاري » عن ابن عباس في قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ كان الرجل يقدم المدينة فإن ولدت امرأته غلاما ونتجت خيله قال : هذا دين صالح ، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال : هذا دين سوء ، وهذا يقتضي أن فعل ذلك من مهاجرة العرب : يقولونه إذا أرادوا الارتداد وهم أهل جفاء وغلظة ، فلعلّ فيهم من شافه الرسول بمثل قولهم : هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ . ومعنى مِنْ عِنْدِ اللَّهِ في اعتقادهم أنّه الذي ساقها إليهم وأتحفهم بها لما هو معتاده من الإكرام لهم ، وخاصّة إذا كان قائل ذلك اليهود . ومعنى مِنْ عِنْدِكَ أي من شؤم قدومك ، لأنّ اللّه لا يعاملهم إلّا بالكرامة ، ولكنّه صار يتخوّلهم بالإساءة لقصد أذى المسلمين فتلحق الإساءة اليهود من جرّاء المسلمين على حدّ وَاتَّقُوا فِتْنَةً [ الأنفال : 25 ] الآية . وقد علّمه اللّه أن يجيب بأنّ كلا من عند اللّه ، لأنّه لا معنى لكون شيء من عند اللّه إلّا أنّه الذي قدّر ذلك وهيّأ أسبابه ، إذ لا يدفعهم إلى الحسنات مباشرة . وإن كان كذلك فكما أنّ الحسنة من عنده ، فكذلك السيّئة بهذا المعنى بقطع النظر عمّا أراده بالإحسان والإساءة ، والتفرقة بينهما من هذه الجهة لا تصدر إلّا عن عقل غير منضبط التفكير ، لأنّهم جعلوا بعض الحوادث من اللّه وبعضها من غير اللّه فلذلك قال : فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً أي يكادون أن لا يفقهوا حديثا ، أي أن لا يفقهوا كلام من يكلّمهم ، وهذا مدلول فعل ( كاد ) إذا وقع في سياق النفي ، كما تقدّم في قوله : وَما كادُوا يَفْعَلُونَ [ البقرة : 71 ] . والإصابة : حصول حال أو ذات ، في ذات يقال : أصابه مرض ، وأصابته نعمة ، وأصابه سهم ، وهي ، مشقّة من اسم الصّوب الذي هو المطر ، ولذلك كان ما يتصرّف من الإصابة مشعرا بحصول مفاجئ أو قاهر . وبعد أن أمر اللّه رسوله بما يجيب به هؤلاء الضالّين علّمه حقيقة التفصيل في إصابة الحسنة والسيئة من جهة تمحّض النسبة إلى اللّه تعالى أو اختلاطها بالانتساب إلى العبد ، فقال : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ . ووجّه الخطاب للرسول لأنّه المبلّغ عن اللّه ، ولأنّ هذا الجواب لإبطال ما نسبه الضالّون إليه من كونه مصدر السيّئات التي تصيبهم .