الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

191

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وهم لا يعتقدون أنّ اللّه كتب عليهم القتال ، وقال ابن جرير عن مجاهد : نزلت في اليهود ، وعليه تكون الآية مثالا ضربه اللّه للمسلمين الذين أوجب عليهم القتال ، تحذيرا لهم في الوقوع في مثل ذلك ، فيكون على طريقة قوله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً الآية في سورة البقرة [ 246 ] . والرؤية بصرية ، وهي على بعض الوجوه المرويّة بصرية حقيقية ، وعلى بعضها بصرية تنزيلية ، للمبالغة في اشتهار ذلك . وانتصب خَشْيَةً على التمييز لنسبة أَشَدَّ ، كما تقدّم في قوله تعالى : كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً وقد مرّ ما فيه في سورة البقرة [ 200 ] . والجواب بقوله : قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ جواب عن قولهم : لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ سواء كان قولهم لسانيا وهو بيّن ، أم كان نفسيا ، ليعلموا أنّ اللّه أطلع رسوله على ما تضمره نفوسهم ، أي أنّ التأخير لا يفيد والتعلّق بالتأخير لاستبقاء الحياة لا يوازي حظّ الآخرة ، وبذلك يبطل ما أرادوا من الفتنة بقولهم : لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ . وموقع قوله : وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا موقع زيادة التوبيخ الذي اقتضاه قوله : قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ ، أي ولا تنقصون شيئا من أعماركم المكتوبة ، فلا وجه للخوف وطلب تأخير فرض القتال ؛ وعلى تفسير الأجل في : لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ بأجل العمر ، وهو الوجه المستبعد ، يكون معنى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا تغليطهم في اعتقادهم أنّ القتل يعجّل الأجل ، فيقتضي أن يكون ذلك عقيدة للمؤمنين إن كانوا هم المخاطبين قبل رسوخ تفاصيل عقائد الإسلام فيهم ، أو أنّ ذلك عقيدة المنافقين إن كانوا هم المخاطبين . وقيل معنى نفي الظلم هنا أنّهم لا يظلمون بنقص ثواب جهادهم ، فيكون موقعه موقع التشجيع لإزالة الخوف ، ويكون نصبه على النيابة عن المفعول المطلق . وقيل : معناه أنّهم لا يظلمون بنقص أقلّ زمن من آجالهم ، ويجيء على هذا التفسير أن يجعل تُظْلَمُونَ بمعنى تنقصون ، كقوله تعالى : وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً [ الكهف : 33 ] ، أي كلتا الجنتين من أكلها ، ويكون فَتِيلًا مفعولا به ، أي لا تنقصون من أعماركم ساعة ، فلا موجب للجبن . وقرأ الجمهور : وَلا تُظْلَمُونَ - بتاء الخطاب - على أنّه أمر الرسول أن يقوله لهم . وقرأه ابن كثير ، وحمزة ، والكسائي ، وأبو جعفر ، وروح عن يعقوب ، وخلف - بياء