الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
186
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الفاء : إمّا للتفريع ، تفريع الأمر على الآخر ، أي فرّع فَلْيُقاتِلْ على خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا [ النساء : 71 ] ، أو هي فاء فصيحة ، أفصحت عمّا دلّ عليه ما تقدّم من قوله : خُذُوا حِذْرَكُمْ وقوله : وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ [ 72 ] لأنّ جميع ذلك اقتضى الأمر بأخذ الحذر ، وهو مهيّئ لطلب القتال والأمر بالنفير والإعلام بمن حالهم حال المتردّد المتقاعس ، أي فإذا علمتم جميع ذلك ، فالذين يقاتلون في سبيل اللّه هم الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة لا كلّ أحد . و يَشْرُونَ معناه يبيعون ، لأنّ شرى مقابل اشترى ، مثل باع وابتاع وأكرى واكترى ، وقد تقدّم تفصيله عند قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى في سورة البقرة [ 16 ] . فالذين يشرون الحياة الدنيا هم الذين يبذلونها ويرغبون في حظّ الآخرة . وإسناد القتال المأمور بع إلى أصحاب هذه الصلة وهي : يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ للتنويه بفضل المقاتلين في سبيل اللّه ، لأنّ في الصلة إيماء إلى علّة الخبر ، أي يبعثهم على القتال في سبيل اللّه بذلهم حياتهم الدنيا لطلب الحياة الأبدية ، وفضيحة أمر المبطّئين حتى يرتدعوا عن التخلّف ، وحتّى يكشف المنافقون عن دخيلتهم ، فكان معنى الكلام : فليقاتل في سبيل اللّه المؤمنون حقّا فإنّهم يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ، ولا يفهم أحد من قوله : فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ أنّ الأمر بالقتال مختصّ بفريق دون آخر ، لأنّ بذل الحياة في الحصول على ثواب الآخرة شيء غير ظاهر حتّى يعلّق التكليف به ، وإنّما هو ضمائر بين العباد وربّهم ، فتعيّن أنّ إسناد الأمر إلى أصحاب هذه الصلة مقصود منه الثناء على المجاهدين ، وتحقير المبطّئين ، كما يقول القائل « ليس بعشّك فادرجي » . فهذا تفسير الآية بوجه لا يعتريه إشكال . ودخل في قوله : أَوْ يَغْلِبْ أصناف الغلبة على العدوّ بقتلهم أو أسرهم أو غنم أموالهم . وإنّما اقتصر على القتل والغلبة في قوله : فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ ولم يزد أو يؤسر إباية من أن يذكر لهم حالة ذميمة لا يرضاها اللّه للمؤمنين ، وهي حالة الأسر ؛ فسكت عنها لئلّا يذكرها في معرض الترغيب وإن كان للمسلم عليها أجر عظيم أيضا إذا بذل جهده في الحرب فغلب إذ الحرب لا تخلو من ذلك ، وليس بمأمور أن يلقي بيده إلى التهلكة إذا علم أنّه لا يجدي عنه الاستبسال ، فإنّ من منافع الإسلام استبقاء رجاله لدفاع العدوّ . والخطاب في قوله : وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ التفات من طريق الغيبة ، وهو طريق