الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
184
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وانتصب ثُباتٍ على الحال ، لأنّه في تأويل : متفرّقين ، ومعنى جَمِيعاً جيشا واحدا . وقوله : وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ أي من جماعتكم وعدادكم ، والخبر الوارد فيهم ظاهر منه أنّهم ليسوا بمؤمنين في خلوتهم ، لأنّ المؤمن إن أبطأ عن الجهاد لا يقول : « قد أنعم اللّه عليّ إذ لم أكن معهم شهيدا » ، فهؤلاء منافقون ، وقد أخبر اللّه عنهم بمثل هذا صراحة في آخر هذه السورة بقوله : بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً إلى قوله : الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَ لَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [ النساء : 138 - 141 ] . وعلى كون المراد ب لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ المنافقين حمل الآية مجاهد ، وقتادة ، وابن جريج . وقيل : أريد بهم ضعفة المؤمنين يتثاقلون عن الخروج إلى أن يتّضح أمر النصر . قال الفخر « وهذا اختيار جماعة من المفسرين » وعلى هذا فمعنى و مِنْكُمْ أي من أهل دينكم . وعلى كلا القولين فقد أكّد الخبر بأقوى المؤكّدات لأنّ هذا الخبر من شأنه أن يتلقى بالاستغراب . وبطّأ - بالتضعيف - قاصر ، بمعنى تثاقل في نفسه عن أمر ، وهو الإبطاء عن الخروج إبطاء بداعي النفاق أو الجبن . والإخبار بذلك يستتبع الإنكار عليه ، والتعريض به ، مع كون الخبر باقيا على حقيقته لأنّ مستتبعات التراكيب لا توصف بالمجاز . وقوله : فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ تفريع عن لَيُبَطِّئَنَّ ، إذ هذا الإبطاء تارة يجرّ له الابتهاج بالسلامة ، وتارة يجرّ له الحسرة والندامة . و ( المصيبة ) اسم لما أصاب الإنسان من شرّ ، والمراد هنا مصيبة الحرب أعني الهزيمة من قتل وأسر . ومعنى أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ الإنعام بالسلامة : فإن كان من المنافقين فوصف ذلك بالنعمة ظاهر ؛ لأنّ القتل عندهم مصيبة محضة إذ لا يرجون منه ثوابا ؛ وإن كان من ضعفة المؤمنين فهو قد عدّ نعمة البقاء أولى من نعمة فضل الشهادة لشدّة الجبن ، وهذا من تغليب الداعي الجبليّ على الداعي الشرعي . والشهيد على الوجه الأوّل : إمّا بمعنى الحاضر المشاهد للقتال ، وإمّا تهكّم منه على المؤمنين مثل قوله : هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ [ المنافقون : 7 ] ؛ وعلى الوجه الثاني الشهيد بمعناه الشرعي وهو القتيل في الجهاد . وأكّد قوله :