الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
172
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وقوله يُرِيدُونَ أي يحبّون محبّة تبعث على فعل المحبوب . والطاغوت هنا هم الأصنام ، بدليل قوله : وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ ، ولكن فسّروه بالكاهن ، أو بعظيم اليهود ، كما رأيت في سبب نزول الآية ، فإذا كان كذلك فهو إطلاق مجازي بتشبيه عظيم الكفر بالصنم المعبود لغلوّ قومه في تقديسه ، وإمّا لأنّ الكاهن يترجم عن أقوال الصنم في زعمه ، وقد تقدّم اشتقاق الطاغوت عند قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ [ النساء : 51 ] من هذه السورة . وإنّما قال وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً أي يحبّ ذلك ويحسنه لهم ، لأنّه ألقى في نفوسهم الدعاء إلى تحكيم الكهّان والانصراف عن حكم الرسول ، أو المعنى : يريد أن يضلّهم في المستقبل بسبب فعلتهم هذه لولا أن أيقظهم اللّه وتابوا ممّا صنعوا . والضلال البعيد هو الكفر ، ووصفه بالبعيد مجاز في شدّة الضلال بتنزيله منزلة جنس ذي مسافة كان هذا الفرد منه بالغا غاية المسافة ، قال الشاعر : ضيّعت حزمي في إبعادي الأملا وقوله وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا الآية أي إذا قيل لهم احضروا أو ايتوا . فإنّ ( تعال ) كلمة تدلّ على الأمر بالحضور والإقبال ، فمفادها مفاد حرف النداء إلّا أنّها لا تنبيه فيها . وقد اختلف أئمّة العربية في أنّه فعل أو اسم فعل ، والأصحّ أنّه فعل لأنّه مشتقّ من مادّة العلوّ ، ولذلك قال الجوهري في « الصحاح » « والتعالي الارتفاع » ، تقول منه ، إذا أمرت : « تعال يا رجل » ، ومثله في « القاموس » ، ولأنّه تتّصل به ضمائر الرفع ، وهو فعل مبني على الفتح على غير سنّة فعل الأمر ، فذلك البناء هو الذي حدا فريقا من أهل العربية على القول بأنّه اسم فعل ، وليس ذلك القول ببعيد ، ولم يرد عن العرب غير فتح اللام ، فلذلك كان كسر اللام في قول أبي فراس : أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا * تعالي أقاسمك الهموم تعالي بكسر لام القافية المكسورة ، معدودا لحنا . وفي « الكشّاف » أنّ أهل مكة - أي في زمان الزمخشري - يقولون تعالي للمرأة . فذلك من اللحن الذي دخل في اللغة العربية بسبب انتشار الدّخلاء بينهم . ووجه اشتقاق تعال من مادّة العلوّ أنّهم تخيّلوا المنادي في علوّ والمنادي ( بالفتح ) في سفل ، لأنّهم كانوا يجعلون بيوتهم في المرتفعات لأنّها أحصن لهم ، ولذلك كان أصله