الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

169

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

المسلم الصادق الإقدام عند اتّضاح المصالح ، والتأمّل عند التباس الأمر والصدر بعد عرض المشكلات على أصول الشريعة . ومعنى إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ مع أنّهم خوطبوا ب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا : أي إن كنتم تؤمنون حقّا ، وتلازمون واجبات المؤمن ، ولذلك قال تعالى : ذلِكَ خَيْرٌ فجيء باسم الإشارة للتنويه ، وهي إشارة إلى الردّ المأخوذ من فَرُدُّوهُ . و ( خير ) اسم لما فيه نفع ، وهو ضدّ الشرّ ، وهو اسم تفضيل مسلوب المفاضلة ، والمراد كون الخير وقوّة الحسن . والتأويل : مصدر أوّل الشيء إذا أرجعه ، مشتقّ من آل يؤول إذا رجع ، وهو هنا بمعنى أحسن ردّا وصرفا . أخرج البخاري عن ابن عباس قال : نزل قوله : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ في عبد اللّه بن حذافة بن قيس بن عديّ إذ بعثه النبي في سرية . وأخرج في « كتاب المغازي » عن علي قال : بعث النبي سرية فاستعمل عليها رجلا من الأنصار ، وأمرهم أن يطيعوه ، فغضب ، فقال : « أليس أمركم النبي أن تطيعوني » قالوا : « بلى » قال : « فأجمعوا حطبا » فجمعوا ، قال : « أوقدوا نارا » ، فأوقدوها ، فقال « ادخلوها » ، فهمّوا ، وجعل بعضهم يمسك بعضا ، ويقولون : « فررنا إلى النبي من النار » ، فأزالوا حتّى خمدت النار فسكن غضبه فبلغ ذلك النبي فقال : « لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة ، الطاعة في المعروف » . فقول ابن عبّاس : نزلت في عبد اللّه بن حذافة ، يحتمل أنّه أراد نزلت حين تعيينه أميرا على السرية وأنّ الأمر الذي فيها هو الذي أوجب تردّد أهل السرية في الدخول في النار ، ويحتمل أنّها نزلت بعد ما بلغ خبرهم رسول اللّه ، فيكون المقصود منها هو قوله : فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ إلخ ، ويكون ابتداؤها بالأمر بالطاعة لئلّا يظنّ أنّ ما فعله ذلك الأمير يبطل الأمر بالطاعة . [ 60 ، 61 ] [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 60 إلى 61 ] أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً ( 60 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً ( 61 ) استئناف ابتدائي للتعجيب من حال هؤلاء ، ناسب الانتقال إليه من مضمون جملة : إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [ النساء : 59 ] . والموصول مراد به قوم معروفون وهم فريق من