الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
167
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
نازعتهم قضب الريحان متّكئا * وقهوة مزة راووقها خضل فأطلق التنازع على الاختلاف الشديد على طريق الاستعارة ، لأنّ الاختلاف الشديد يشبه التجاذب بين شخصين ، وغلب ذلك حتّى ساوى الحقيقة ، قال اللّه تعالى : وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا [ الأنفال : 46 ] فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى [ طه : 62 ] . وضمير تَنازَعْتُمْ راجع للذين آمنوا فيشمل كلّ من يمكن بينهم التنازع ، وهم من عدا الرسول ، إذ لا ينازعه المؤمنون ، فشمل تنازع العموم بعضهم مع بعض ، وشمل تنازع ولاة الأمور بعضهم مع بعض ، كتنازع الوزراء مع الأمير أو بعضهم مع بعض ، وشمل تنازع الرعية مع ولاة أمورهم ، وشمل تنازع العلماء بعضهم مع بعض في شؤون علم الدين . وإذا نظرنا إلى ما ذكر في سبب النزول نجد المراد ابتداء هو الخلاف بين الأمراء والأمّة ، ولذلك نجد المفسّرين قد فسّروه ببعض صور من هذه الصور ، فليس مقصدهم قصر الآية على ما فسّروا به ، وأحسن عباراتهم في هذا قول الطبري : « يعني فإن اختلفتم أيّها المؤمنون أنتم فيما بينكم أو أنتم وأولو أمركم فيه » . وعن مجاهد : فإن تنازع العلماء ردّوه إلى اللّه » . ولفظ ( شيء ) نكرة متوغّلة في الإبهام فهو في حيّز الشرط يفيد العموم ، أي في كلّ شيء ، فيصدق بالتنازع في الخصومة على الحقوق ، ويصدق بالتنازع في اختلاف الآراء عند المشاورة أو عند مباشرة عمل ما ، كتنازع ولاة الأمور في إجراء أحوال الأمّة . ولقد حسّن موقع كلمة ( شيء ) هنا تعميم الحوادث وأنواع الاختلاف ، فكان من المواقع الرشيقة في تقسيم عبد القاهر ، وقد تقدّم تحقيق مواقع لفظ شيء عند قوله تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ في سورة البقرة [ 155 ] . والردّ هنا مجاز في التحاكم إلى الحاكم وفي تحكيم ذي الرأي عند اختلاف الآراء . وحقيقته إرجاع الشيء إلى صاحبه مثل العارية والمغصوب ، ثم أطلق على التخلّي عن الانتصاف بتفويض الحكم إلى الحاكم ، وعن عدم تصويب الرأي بتفويض تصويبه إلى الغير ، إطلاقا على طريق الاستعارة ، وغلب هذا الإطلاق في الكلام حتّى ساوى الحقيقة . وعموم لفظ شيء في سياق الشرط يقتضي عموم الأمر بالردّ إلى اللّه والرسول ؛ وعموم أحوال التنازع ، تبعا لعموم الأشياء المتنازع فيها ، فمن ذلك الخصومات والدعاوي في الحقوق ، وهو المتبادر من الآية بادئ بدء بقرينة قوله عقبه « ألم تر إلى الذين يزعمون أنّهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت » فإنّ هذا