الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

164

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بخلاف العدل فإنّما يؤمر به ولاة الحكم بين الناس ، وليس كلّ أحد أهلا لتولّي ذلك . فتلك نكتة قوله : وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ . قال الفخر : قوله : وَإِذا حَكَمْتُمْ هو كالتصريح بأنّه ليس لجميع الناس أن يشرّعوا في الحكم بل ذلك لبعضهم ، فالآية مجملة في أنّه بأي طريق يصير حاكما ولمّا دلّت الدلائل على أنّه لا بد للأمّة من إمام وأنّه ينصب القضاة والولاة صارت تلك الدلائل كالبيان لهذه الآية . وجملة إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ واقعة موقع التحريض على امتثال الأمر ، فكانت بمنزلة التعليل ، وأغنت ( إنّ ) في صدر الجملة عن ذكر فاء التعقيب ، كما هو الشأن إذا جاءت ( إنّ ) للاهتمام بالخبر دون التأكيد . و ( نعمّا ) أصله ( نعم ما ) ركّبت ( نعم ) مع ( ما ) بعد طرح حركة الميم الأولى وتنزيلها منزلة الكلمة الواحدة ، وأدغم الميمان وحرّكت العين الساكنة بالكسر للتخلّص من التقاء الساكنين . و ( ما ) جوّز النحاة أن تكون اسم موصول ، أو نكرة موصوفة ، أو نكرة تامّة والجملة التي بعد ( ما ) تجري على ما يناسب معنى ( ما ) ، وقيل : إنّ ( ما ) زائدة كافّة ( نعم ) عن العمل . والوعظ : التذكير والنصح ، وقد يكون فيه زجر وتخويف . وجملة إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً أي عليما بما تفعلون وما تقولون ، وهذه بشارة ونذارة . [ 59 ] [ سورة النساء ( 4 ) : آية 59 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ( 59 ) لمّا أمر اللّه الأمّة بالحكم بالعدل عقّب ذلك بخطابهم بالأمر بطاعة الحكّام ولاة أمورهم ؛ لأنّ الطاعة لهم هي مظهر نفوذ العدل الذي يحكم به حكّامهم ، فطاعة الرسول تشتمل على احترام العدل المشرّع لهم وعلى تنفيذه ، وطاعة ولاة الأمور تنفيذ للعدل ، وأشار بهذا التعقيب إلى أنّ الطاعة المأمور بها هي الطاعة في المعروف ، ولهذا قال عليّ : « حقّ على الإمام أن يحكم بالعدل ويؤدّي الأمانة ، فإذا فعل ذلك فحقّ على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا » . أمر اللّه بطاعة اللّه ورسوله وذلك بمعنى طاعة الشريعة ، فإنّ اللّه هو منزّل