الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

16

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

شافعة النساء اللاتي لا مرغّب فيهنّ لهم فيرغبون عن نكاحهنّ ، فكذلك لا يجعلون القرابة سببا للإجحاف بهنّ في مهورهنّ . وقولها : ثمّ إنّ الناس استفتوا رسول اللّه ، معناه استفتوه طلبا لإيضاح هذه الآية . أو استفتوه في حكم نكاح اليتامى ، وله يهتدوا إلى أخذه من هذه الآية ، فنزل قوله : وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ الآية ، وأنّ الإشارة بقوله : وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ أي ما يتلى من هذه الآية الأولى ، أي كان هذا الاستفتاء في زمن نزول هذه السورة . وكلامها هذا أحسن تفسير لهذه الآية . وقال ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، والسدّي ، وقتادة : كانت العرب تتحرّج في أموال اليتامى ولا تتحرّج في العدل بين النساء ، فكانوا يتزوّجون العشر فأكثر فنزلت هذه الآية في ذلك ، وعلى هذا القول فمحلّ الملازمة بين الشرط والجزاء إنّما هو فيما تفرّع عن الجزاء من قوله : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً ، فيكون نسج الآية قد حيك على هذا الأسلوب ليدمج في خلاله تحديد النهاية إلى الأربع . وقال عكرمة : نزلت في قريش ، كان الرجل يتزوّج العشر فأكثر فإذا ضاق ماله عن إنفاقهنّ أخذ مال يتيمه فتزوّج منه ، وعلى هذا الوجه فالملازمة ظاهرة ، لأنّ تزوّج ما لا يستطاع القيام به صار ذريعة إلى أكل أموال اليتامى ، فتكون الآية دليلا على مشروعية سدّ الذرائع إذا غلبت . وقال مجاهد : الآية تحذير من الزنا ، وذلك أنّهم كانوا يتحرّجون من أكل أموال اليتامى ولا يتحرّجون من الزنا ، فقيل لهم : إن كنتم تخافون من أموال اليتامى فخافوا الزنا ، لأنّ شأن المتنسّك أن يهجر جميع المآثم لا سيما ما كانت مفسدته أشدّ . وعلى هذا الوجه تضعف الملازمة بين الشرط وجوابه ويكون فعل الشرط ماضيا لفظا ومعنى . وقيل في هذا وجوه أخر هي أضعف ممّا ذكرنا . ومعنى ما طابَ ما حسن بدليل قوله : لَكُمْ ويفهم منه أنّه ممّا حلّ لكم لأن الكلام في سياق التشريع . وما صدق ما طابَ النساء فكان الشأن أن يؤتى ب ( من ) الموصولة لكن جيء ب ( ما ) الغالبة في غير العقلاء ، لأنّها نحي بها منحى الصفة وهو الطيّب بلا تعيين ذات ، ولو قال ( من ) لتبادر إلى إرادة نسوة طيّبات معروفات بينهم ، وكذلك حال ( ما ) في الاستفهام ، كما قال صاحب « الكشاف » وصاحب « المفتاح » . فإذا قلت : ما تزوجت ؟ فأنت تريد ما صفتها أبكرا أم ثيّبا مثلا ، وإذا قلت : من تزوجت ؟ فأنت تريد تعيين اسمها ونسبها . والآية ليست هي المثبتة لمشروعية النكاح ، لأنّ الأمر فيها معلّق على حالة الخوف من الجور في اليتامى ، فالظاهر أنّ الأمر فيها للإرشاد ، وأنّ النكاح شرع بالتقرير للإباحة