الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
158
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
النبوءة ، والملك : هو ما وعد اللّه به إبراهيم أن يعطيه ذريّته وما آتى اللّه داود وسليمان وملوك إسرائيل . وضمير مِنْهُمْ يجوز أن يعود إلى ما عاد إليه ضمير يَحْسُدُونَ . وضمير بِهِ يعود إلى الناس المراد منه محمّد - عليه السلام - : أي فمن الذين أوتوا نصيبا من الكتاب من آمن بمحمّد ، ومنهم من أعرض . والتفريع في قوله : فَمِنْهُمْ على هذا التفسير ناشئ على قوله أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ . ويجوز أن يعود ضمير فَمِنْهُمْ إلى آل إبراهيم ، وضمير بِهِ إلى إبراهيم ، أي فقد آتيناهم ما ذكر . ومن آله من آمن به ، ومنهم من كفر مثل أبيه آزر ، وامرأة ابن أخيه لوط ، أي فليس تكذيب اليهود محمّدا بأعجب من ذلك ، سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا [ الإسراء : 77 ] ، ليكون قد حصل الاحتجاج عليهم في الأمرين في إبطال مستند تكذيبهم ؛ بإثبات أنّ إتيان النبوءة ليس ببدع ، وأن محمّدا من آل إبراهيم ، فليس إرساله بأعجب من إرسال موسى . وفي تذكيرهم بأنّ هذه سنّة الأنبياء حتى لا يعدّوا تكذيبهم محمّدا صلى اللّه عليه وسلم ثلمة في نبوءته ، إذ لا يعرف رسولا أجمع أهل دعوته على تصديقه من إبراهيم فمن بعده . وقوله : وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً تهديد ووعيد للّذين يؤمنون بالجبت والطاغوت . وتفسير هذا التركيب تقدّم آنفا في قوله تعالى : وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا من هذه السورة [ النساء : 45 ] . [ 56 ، 57 ] [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 56 إلى 57 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً ( 56 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً ( 57 ) تهديد ووعيد لجميع الكافرين ، فهي أعمّ ممّا قبلها ، فلها حكم التذييل ، ولذلك فصلت . والإصلاء : مصدر أصلاه ، ويقال : صلاه صليا ، ومعناه شيّ اللحم على النار ، وقد تقدّم الكلام على ( صلى ) عند قوله تعالى : وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً [ النساء : 10 ] وقوله : فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً في هذه السورة [ النساء : 30 ] ، وتقدّم أيضا الكلام على ( سوف ) في الآية الأخيرة . و نُصْلِيهِمْ - بضم النون - من الإصلاء . و نَضِجَتْ بلغت نهاية الشّيء ، يقال : نضج الشّواء إذا بلغ حدّ الشّيء ، ويقال : نضج الطبيخ إذا بلغ حدّ الطبخ . والمعنى : كلّما احترقت جلودهم ، فلم يبق فيها حياة وإحساس . بدّلناهم ، أي عوّضناهم جلودا غيرها ،